أخبار سريعة
الرئيسية / أخبار عاجلة / الثورة والوعي … أيهما أولا؟

الثورة والوعي … أيهما أولا؟

الجسر-عبدالرحمن يوسف-الثورة والوعي ... أيهما أولا؟20-12-2014--1عبدالرحمن يوسف
الثورة والوعي … أيهما أولا؟
يقول لك اليائسون : “هذا الشعب لا يستحق أن نثور لأجله، هؤلاء الجهلة … مات رفاقنا من أجل حقوقهم، وفقدنا أعيننا من أجل عيونهم، وبذلنا كل غال ونفيس من أجل كرامتهم … هؤلاء الرعاع باعونا من أجل لقمة عيش تحت ظل البيادة، أو إحسانا من شيخ نصاب، أو منة من خليجي متكبر، أو من غربي إمبريالي” !
وقد تجد نسخة إسلامية من هذا الكلام “هؤلاء شر الدواب، لهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، ولهم قلوب لا يفقهون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل … حملنا لهم الخير سنوات وسنوات وحين حاولنا أن نصلح الدولة من أجلهم رقصوا على أنغام تسلم الأيادي، وحين قتلنا وسجنا كان موقف أكثرهم شهامة هو الصمت” !
بعد هذه المقدمة يقفز لك القافزون إلى النتيجة المنطقية (مافيش فايدة)، ولكن حين تقول لهم لا بد من استمرار العمل، ستجدهم يقولون لك “إنها معركة الوعي، وهذا الشعب الجاهل لا يمكن أن يثور، لا بد من بناء الوعي، وبعد ذلك نفكر في الثورة” !
والحقيقة أن الكلام السابق خطأ، يكذبه الدين، والتاريخ، والواقع، والمنطق.
يظن البعض أن معركة الوعي تسبق الثورات، والحقيقة أن هذا الكلام ليس دقيقا، لأن معركة الوعي تبدأ قبل الثورة، وتمتد إلى ما بعد الثورة، معركة الوعي لا نهاية لها.
إن الوعي الثوري الذي نتحدث عنه لا يصل إلى كل الناس، ولا إلى أغلبهم، ولا إلى أكثريتهم، بل يصل لقلة قليلة من الشعب، هذه القلة هي الكتلة الحرجة اللازمة للتغيير، وهذه (القلة – النخبة – الطليعة) تقود الناس، وتحركهم للمطالبة بحقوقهم.
وبالتالي إذا لم يتحرك الناس فذلك مرده لعيب في تلك النخبة، ولعجز فيها، أو استعجال أو تقصير منها (غالبا).
أما من يسب الشعب ويتهمه بالجهل، فهو الجاهل، لأنه لا يعلم أن الجهل والمرض والفقر كلها من ضرورات قيام الثورات.
الثورات لا تندلع إلا في الشعوب المأزومة التي تعاني الفقر والمرض والاضطهاد والإذلال، هذا ما حدث في الثورة الفرنسية أم الثورات، هل كان الشعب الفرنسي واعيا حين ثار؟ هل كان غنيا؟ هل كان مرفها؟ كان شعبا جاهلا فقيرا يعاني أسوأ الظروف، وهذا ما حدث في غالبية الثورات عبر التاريخ.
الشعوب “الواعية” لا تثور، لأنها تستطيع أن تنظم مجتمعاتها وتدير أمورها دون الحاجة إلى ثورة، فالثورة عمل باهظ التكلفة، يدفعه المضطر له، والمضطر لدفع ثمن الثورة هو من يعاني الاستبداد، لأن تكلفة الاستبداد أكبر من تكلفة الثورة ألف مرة.
الثورة دواء مر، ولكن الاستبداد (أمرُّ) ألف ألف مرة من هذا الدواء.
إذن … لستَ محتاجا إلى خلق مجتمع من المواطنين الواعين لكي تقوم ثورة، بل المطلوب أن تخلق كتلة حرجة من البشر تقود التغيير، هذا ما فعلته كتابات “فولتير”، و”روسو”، في الثورة الفرنسية، وهذا ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة.
حين قامت الثورة الفرنسية لم يكن غالبية الشعب الفرنسي قد قرأ ما كتبه فلاسفة الثورة، لأن غالبية الشعب كانت في جهل تام، ولكن كانت هناك كتلة حرجة قد اقتنعت بهذه الأفكار، ونشرتها بين فئات من الجماهير، وقادت هذه الكتلة هذه الجماهير لحراك ثوري استمر عشرات السنين، وخلال هذه السنوات الطوال حدثت انتصارات وانكسارات، ولكن استمر المد الثوري موجة خلف موجة حتى انتصرت مبادئ الثورة الفرنسية، وأقامت الجمهورية.
عملية خلق الكتلة الحرجة شديدة التعقيد، ويعتمد جزء كبير منها على التراكم، والسؤال المطروح الآن (هل توجد “كتلة حرجة” في مصر تكفي لدفع عجلة التغيير السياسي السلمي؟).
جوابي : توجد كتلة حرجة ضخمة في مصر، تكفي لقيادة التغيير، وقد نجحت هذه الكتلة في يناير 2011 في كسر أبواب الحلم المغلقة منذ عشرات السنين، وهي كتلة يتوفر فيها صفات (نموذجية) شديدة الأهمية، فغالبيتها من الشباب، كما أنها كتلة تتوزع جغرافيا على غالبية محافظات مصر، وتتوزع طبقيا في سائر طبقات المجتمع، وتخترق مهنيا غالبية المهن، وتتوغل إقليميا في المدن والقرى.
خلاصة الكلام … مصر في لحظة تاريخية نادرة، تتوفر فيها كتلة حرجة ضخمة قادرة على صنع تغيير حقيقي، فارق، ممتد … إنه جيل يناير العظيم.
السؤال المنطقي الأخير : (لماذا لا يحدث التغيير إذن؟) !
والإجابة ببساطة : لأن هذه الكتلة الحرجة التي نتحدث عنها متفرقة !
لقد نجحت هذه الكتلة بالضربة القاضية في بداية معركة التغيير حين توحدت، وتناست خلافاتها، ووضعت هدفا كبيرا نصب أعينها، وما زالت الفرصة مواتية لهذه الكتلة لكي تكمل ما بدأته في يناير 2011.
كلمة أخيرة : التغيير قادم قادم … واصطفاف هذه الكتلة الحرجة صفا واحدا مسألة وقت، وحينها لن تستطيع قوة في الدنيا أن تقف أمام طموحات وإرادة هذا الجيل، وحينها سيسير الناس … الشعب … (الجاهل الفقير) … خلف هؤلاء الشرفاء.
وبعد أن يتحقق النصر … ستستمر معركة الوعي، أما من يريد أن يوقف الفعل الثوري الذي يوشك على الانفجار لكي يبني الوعي المزعوم فهو أشبه بمن يريد أن يحرم طفلا من الأكل والشرب لأنه لم يتعلم بعد آداب الطعام !
المصدر/ موقع مصر العربية الالكترونى

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى