أخبار سريعة
الرئيسية / أخبار سريعة / الحسم الشعبي انقلاب تركيا الفاشل

الحسم الشعبي انقلاب تركيا الفاشل

الجسر-رفيق حبيب-انكشاف الدولة المستوردة .. فشل العلمنة10062016--1د. رفيق حبيب .
الحسم الشعبي
انقلاب تركيا الفاشل
ماذا يمثل الانقلاب في تركيا في مسار الربيع العربي؟ وما هي الدروس المستفادة منه؟ وهل يعد إفشال الانقلاب في تركيا خطوة مهمة في مسار انتصار الثورة العربية؟ وهل حسمت بالفعل المعركة في تركيا؟
إن أهم ما يمثله الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، أنه كشف المزيد من الوضوح على مخطط الانقلابات التي واجهت الربيع العربي، فهو ليس مجرد محاولة انقلاب معزولة عما حدث في دول الربيع العربي، خاصة مصر.
معظم المؤشرات تشير إلى أن الانقلاب في تركيا كان جزءا من مخطط الانقلاب في مصر وليبيا وتونس، وكانت محطة تركيا تالية مباشرة، مما يعني أن كل محاولات الانقلاب التي حدثت في تركيا بعد انقلاب مصر، كانت جزءا من مخطط الانقلاب.
دخول تركيا في مخطط الانقلاب على الثورة العربية له دلالة مهمة، فهو ليس نابعا من تأييد تركيا لثورات الربيع العربي، وغيرها أيد موجة الثورة ولم يستهدف، لذا فإن استهداف تركيا كجزء من استهداف الربيع العربي له أبعاد أخرى.
وضعت تركيا في مخطط استهداف الربيع العربي، لأن استهداف الثورات العربية شمل أيضا استهداف القوى والحركات الإسلامية المعتدلة بمختلف توجهاتها، والتي تؤمن بالثورة والتحرر والتخلص من التبعية.
من الواضح أن مخطط الانقلاب على الثورة، كان يرى أن الثورة في حد ذاتها، وهذا صحيح بالطبع، هي خروج على المنظومة الإقليمية والدولية الحاكمة، وخروج على نموذج الدولة العلمانية التابعة.
مادامت الثورة تمثل خروجا على النموذج السياسي التابع الحاكم للمنطقة، فإن كل الحركات التي تستهدف الخروج من هذا النموذج، تعد من العناصر الأساسية للثورة، ومن العناصر الفاعلة في تغيير المنظومة الحاكمة للمنطقة.
استهدفت الحركات الإسلامية التي انحازت للثورة والتحرر والتحول الديمقراطي، لأنها تمثل قوى للتغيير، من شأنها تغيير المنظومة الحاكمة للمنطقة، ولهذا استهدفت تركيا، لأن سياساتها تحولت عن مسار المنظومة الحاكمة للمنطقة.
في المرحلة الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية في تركيا، كانت سياسات الحزب تتمشى مع المنظومة القائمة، والنظام الرأسمالي العالمي بوصفاته الاقتصادية، أي كانت سياسات الحزب تتمشى مع الليبرالية الجديدة.
في المرحلة الثانية من حكم حزب العدالة والتنمية، والتي ظهرت مع موجة الربيع العربي وقبلها بقليل، كانت سياسات الحزب تتجه نحو الخيارات الشعبية، وهو ما يبعدها عن خيار الليبرالية الجديدة الذي يمثل العولمة الغربية.
بقدر ما تحول حزب العدالة والتنمية نحو الخيارات والسياسات الشعبية، بقدر ما أصبح يمثل خروجا تدريجيا من المنظومة الحاكمة، لذا بات واضحا أن نجاح الربيع العربي، يعني تحولات كبرى في تركيا أيضا.
استهدفت كل القوى التي تمثل خروجا على المنظومة الليبرالية الجديدة التي يقودها الغرب، وهو ما جعل استهداف الحركات الإسلامية يمثل خطوة مركزية في مخطط الانقلاب، لا تقل أهمية عن استهداف الثورة نفسها.
هذا ما يشرحه الانقلاب الفاشل في تركيا، أن القضية ليست فقط في فعل الثورة، ولكن في التغيير الناتج من الثورة، فإذا كان هذا التغيير يؤسس لمنظومة سياسية جديدة، وينهي منظومة الليبرالية الجديدة التابعة، فهذا يمثل خطرا على الغرب.
من أهم الدروس المستفادة من الانقلاب الفاشل في تركيا هو الدور الشعبي، أو دور الشعوب في صناعة التاريخ، ودور الشعب التركي، لا يبدأ بخروج بعضه ضد الانقلاب، ولكن يبدأ عندما بدأت حكومة حزب العدالة والتنمية مرحلة السياسة الشعبية.
عندما انحازت الحكومة لخيارات الشعب حدث الانقلاب، وعندما حدث الانقلاب كان فعليا على خيارات الشعب، لذا أصبح الدور الشعبي في الحسم مهما، لأن الشعوب عندما تعرف مصلحتها وخياراتها تدافع عنها.
الحسم الشعبي في دروس الانقلاب الفاشل في تركيا، يظهر دور مكونات الشعب المختلفة في المراحل الحاسمة، فمن خرج ضد الانقلاب العسكري وحسم المعركة في ساعات، كان نسبة صغيرة من الشعب التركي.
تحركت كتلة صلبة ضد الانقلاب، وهي غالبا الكتلة الإسلامية المؤيدة لحزب العدالة والتنمية، ولكن كان حولها جماهير واسعة تؤيدها، وترفض الانقلاب الحادث، وهو ما وفر رأيا عاما مؤيدا لدور الكتلة الصلبة.
وجود رأي عام مساند لحركة الكتل الشعبية النشطة، جعل من يؤيد الانقلاب في تركيا لا يظهر وكأنه غير موجود، وهذا غير صحيح في تصوري، فربما كانت هناك كتلة غير بسيطة تؤيد الانقلاب لكنها صمتت.
يكشف لنا الحدث التركي بعضا من شروط لحظة الحسم الشعبي، فهي لحظة تتحرك فيها الكتلة الصلبة، وسط رأي عام مؤيد لها، ووسط ظروف تجعل الرأي المعارض لا يستطيع التعبير عن رأيه، وينتظر بقلق نتائج المعركة.
يتضح من تجربة تركيا، أن الكتل المؤيدة للحرية والديمقراطية عندما تتحرك، فإن كتلة منها تتحرك وتقدم التضحيات، ولكن كتل أكبر تخرج في مراحل أخرى، حتى تظهر الكتلة الأكبر حجما في لحظة الانتصار.
الحسم الشعبي في مسار الثورة المصرية، يمثل العنصر الحاسم الذي سوف يحدث التغيير، ولكن هذا الحسم يواجه تحديات أكبر، لأن الحكم العسكري في مصر تقف معه كل الدولة، وانقلاب تركيا أيده جزء من الدولة.
المشهد التركي يوحي بأن الحسم في مصر، هو خروج شعبي يتمدد عبر أيام، ويتزايد خلالها، حتى يصل لذروته بتعطيل آلة القمع، ثم تبدأ موجات الثورة في التمدد وجمهورها في التوسع، حتى يتحقق الحسم.
الحسم يبدأ بإسقاط الانقلاب، ولكن معركة الحسم الشعبي تستمر، ويكون على الجماهير البقاء في الميادين والشوارع أيام طويلة، حتى يتم تأمين ما حدث من حسم، بخطوات قوية تمنع أي انقلاب سريع آخر.
من دروس التجربة التركية، يتضح أهمية الوعي الشعبي، فلا حسم شعبي دون وعي مؤسس له، ودون تصور واضح عن طبيعة المعركة، بحيث يكون لدى الجماهير وعي حقيقي، يجعلها تختار الاختيار الصحيح.
والوعي الجماهيري يتحقق عندما تختار الجماهير ما يحقق مصلحتها، ويكون الوعي غائبا، عندما تختار الجماهير ما يضر بمصلحتها، كما حدث في الانقلاب العسكري في مصر، والذي حدث بغطاء شعبي.
الوعي عندما ينتشر بين عامة الناس، يشكل الرأي العام الحاضن للثورة، وهو أمر مهم، خاصة في المراحل التي يقوم فيها بالحسم الشعبي النواة والكتلة الصلبة للثورة، والتي تكون محدودة عددا، وتحتاج ليس لغطاء بل لتأييد شعبي.
المعركة مع الوقت تصل لمرحلة الانكشاف الكامل، فهي معركة بين نظام استبدادي فاسد تابع للغرب، وبين التحرر والعدل والحكم الرشيد، وهي معركة ضد التبعية من أجل الاستقلال، وهي معركة ضد حكم الأقلية، لتأسيس حكم الأغلبية.
كل ما يحدث من تدهور في جوانب الحياة المختلفة، سببه الأساسي حكم الأقلية التابعة للغرب، والتي تقوم بدور وكيله السياسي والتجاري، وتعمل من أجل مصالحها ومصالح الغرب، الذي منحها توكيل لتمثيل مصالحه في المنطقة.
لا يمكن أن تتحسن سبل الحياة، بدون التحرر والقضاء على الاستبداد، ولا يمكن القضاء على الفساد بدون القضاء على الاستبداد، ولا يمكن تحقيق التقدم دون القضاء على حكم الأقلية، وتأسيس حكم يعبر عن المجتمع.
لا يمكن لبلد أن يتقدم دون أن يستعيد هويته وموروثه التاريخي وأمجاد الأجداد، لذا نجد حزب العدالة والتنمية يستعيد أمجاد العثمانيين بدل التركيز على القومية التركية العلمانية التي زرعت بعد سقوط الخلافة الإسلامية.
في الدرس التركي، خرج عامة الناس في النهاية ينشدون أناشيد تعبر عن أمجاد الآباء والأجداد العثمانيين، وهو ما يعيد الهوية المشتركة للشعب التركي بكل مكوناته، بعيدا عن القومية التركية العلمانية الإقصائية.
لقد مثل فشل الانقلاب في تركيا، آخر محاولة لتحقيق نصر جديد لمخطط الانقلاب على الثورة العربية، وهو بهذا نهاية مد الانقلاب وبداية الجزر لمخططه، كما أنه فشل لمحاولة كان نجاحها سوف يقوي الانقلاب لفترة زمنية ليست قصيرة.
يمكن تصور أن فشل الانقلاب في تركيا، يمثل النموذج الأول لنجاح ثورات الربيع العربي، وبالتالي يعد الخطوة الأولى في مسار الثورة الصاعد، وهو بهذا يؤسس لبداية الرد الثوري على مخطط الانقلاب.
يمثل النجاح التركي نموذجا، بكل التحديات التي يواجها، فكما كانت الثورة في تونس شرارة الموجة الأولى للربيع العربي، فإن النجاح التركي في صد الانقلاب يمثل الشرارة الأولى لموجة ثورية عربية ثانية.
الشرارة الأولى للموجة الأولى جاءت من بلد عربي، فأصبح الربيع عربيا، والشرارة الأولى للموجة الثانية تأتي من بلد إسلامي، ويظل الربيع عربيا، لأنه في كل الأحوال ثورة عربية، وما الثورة العربية إلا ثورة إسلامية.
المعركة في تركيا لم تنتهي، كما أن محاولات حزب العدالة والتنمية التركي بعد سنوات طويلة لم تمنع محاولة الانقلاب، مما أشار إلى أساس المعركة التي لم تكتمل في تركيا بعد كل هذه السنوات، ولم تكتمل بفشل الانقلاب.
المعركة الأساسية هي إعادة تأسيس الدولة، ومعها يعاد تأسيس وإحياء المجتمع، حتى تؤسس دولة على العقيدة الحضارية للشعوب، وتمثل المجتمع وتعبر عنه، ويتحدد دورها وعلاقتها بالمجتمع تبعا للاختيار المجتمعي الحر.
معركة إعادة تأسيس الدولة تعني إنهاء نموذج الدولة القومية القطرية العلمانية التابعة، بكل هذه الصفات معا، وهي معركة لم تنتهي في تركيا، وربما لم تبدأ بالفعل إلا بعد فشل الانقلاب، وكأنها بدأت بسبب حدوث الانقلاب.
المعنى المهم في التجربة التركية، خاصة موقف الغرب منها، أن الغرب لم يؤيد هذه التجربة، أعني تجربة حزب العدالة والتنمية، إلا في المرحلة التي تبنى الحزب فيها سياسات الليبرالية الجديدة.
بعد أن تحولت حكومة حزب العدالة والتنمية من سياسات الليبرالية الجديدة، التي تعد السياسة التي تدخل الدول في منظومة العولمة الغربية، وبدأت مرحلة السياسات الشعبية، بدأ النقد والهجوم الغربي على التجربة التركية.
بعد الانقلاب أصبحت تركيا في مرحلة سوف تواجه فيها معارك مع الغرب، فالغرب لن يسمح بإعادة تأسيس الدول التي أسسها هو على النموذج التابع له، مما يعني أن مرحلة إعادة تأسيس الدولة، هي بالفعل مرحلة الخروج من الهيمنة الغربية.
مسار الثورة العربية، حسب التجربة التركية، وبسبب الانقلابات الدموية على الربيع العربي، أصبح يبدأ بالحسم الشعبي ثم إعادة تأسيس الدولة، حتى تكون دولة مستقلة غير تابعة للغرب، وهو ما يجعل معارك ما بعد الحسم حرجة ومفصلية.
لا حل إذن، إلا بإعادة تأسيس الدول على العقيدة الحضارية المؤسسة للأمة، وتحقيق التحرر والاستقلال، وبناء نظام سياسي يقوم على الحرية وينشد تحقيق العدل بمفهومه الشامل، ويستند للإرادة الشعبية وهوية الأمة.
د. رفيق حبيب
سبتمبر 2016
….

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى