أخبار سريعة
الرئيسية / أخبار سريعة / المعرفة قوة ، والقراءة وسيلة هامة في اكتساب المعرفة

المعرفة قوة ، والقراءة وسيلة هامة في اكتساب المعرفة

الجسر-شيخ عبدالرحمن بشير22062015--1

 

 

شيخ عبد الرحمن بشير .
%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b3%d8%b1-%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%85%d9%86-%d8%a8%d8%b4%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%a9-%d9%82%d9%88%d8%a9-%d8%8cالمعرفة قوة ، والقراءة وسيلة هامة في اكتساب المعرفة .
١- قرأت مرة مقولة لأحد المفكرين مفادها بأن العرب يتعلمون لأجل القراءة فقط ، وأن الأمم المتحضرة تقرأ لتتعلم ، وهذه معادلة خطيرة ، فالعرب يجاهدون لأجل الخروج من حالة الأمية الأولي ، ولكنهم يتحولون إلي حالة ثانية من الأمية تكمن في البقاء في مربع ( المعرفة الأولية ) ، بيد أن أبناء الأمم المتحضرة يقرؤون لأجل التعلم ، وهذا يعني أن القراءة ليست إلا وسيلة متواصلة للتعلم ، ولا حد للمعرفة ، ولأجل أن لا تتوقف المعرفة عند حد معين ، فلا بد من قراءة جادة لا تعرف الملل ، ولهذا لم يكن من العبث أن تكون أول آية من القرآن : ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ) ، فكانت بذلك فاتحة الحضارة التي لم تتوقف من العطاء حتي ترك المسلمون المنهج الرباني في تكوين العقل العلمي .
٢- ذهبت مرة إلي مكتبة عامة في الدنمارك حين كنت زائرا لهذا البلد المتميز ، فلاحظت فيها ثلاثة أمور :
– الجمال الفائق للموقع ، وحسن الهندسة ، وإعداد المكان ليكون لائقا بالقراءة والجلوس في أوقات طويلة ، وذلك حتي لا يشعر القاري بالملل والتعب .
– تنوع الشخصيات الموجودة في المكتبة من حيث العمر ، فمنهم الصغار والكبار ، ومنهم الذكر والأنثي ، ومنهم الصحيح في الجسد وذوي الحاجات الخاصة ، ومنهم الباحث المتخصص والقارئ العادي ، فهذا التنوع البشري يدل علي النهم في القراءة لدى المواطنين .
– الجمع بين القراءة كوسيلة معرفية ، وبين متطلبات الحياة في الموقع ، فالإنسان لا يخرج من المكان للطعام ، فهناك مطعم فاخر ، وإلي جانب المكتبة صالة للألعاب فيها ما يحتاج إليها الإنسان من أليات هامة في بناء الجسد ، بل ولديه إمكانية النوم الخفيف إذا شعر نوعا من الكآبة والتعب .
رأيت مكتبة جميلة ورائعة قريبة من هذا في ( إدمنتون ) من كندا في زيارة لي قبل شهور ، في الغرب عقول كبيرة تقود البلاد لصناعة النهضة الحقيقية .
تعتبر دنمارك الدولة الأولي من حيث الشعور بالسعادة عالميا وفي العيش مددا طويلة ، كما أن كندا تعتبر هي الأخري من الدول العشرة التي تحتل الصدارة في التنمية المتوازنة ، وهذا هو نتيجة القراءة والبحث والعلم المستمر ( اقرأ وربك الأكرم ) .
٣- كنت في مطعم مع بعض الأحبة في أوتاوا العاصمة ، وكنا ستة من أبناء منطقة القرن الأفريقي ، وكنا من اتجاهات مختلفة في الفكر ، ولكني لاحظت من المطعم أمرين هامين تركا في نفسي أعظم الأثر :
– رأيت ولدين يصاحبان والديهما ، ولكل واحد منهما كتاب في يده بحيث يقرآن بشكل نهم ، وعندهما أقلام رصاص ، وأوراق يكتبان ملاحظتهما من الكتاب ، فقلت في نفسي ، إن وراء هذه النهضة التي نلاحظها في الحياة تلك الإرادة الحديدية في اكتساب المعرفة .
– رأيت كذلك في المطعم هدوءا كبيرا ، وكأنك في معبد ، فالكل يتحدث ولكن في هدوء لا تكاد تسمع من الأصوات إلا همسا ، فالمطعم يساهم في البناء المعرفي لمن أراد ذلك ، ولَك أن تتصور مطعما في العالم العربي ، أو في القرن الأفريقي ، فهل يمكن لأحد من محبي المعرفة أن يصاحب كتابا له ليقرأه في أجواءه .
تأملت حينها حالة من صاحبني من الأصدقاء ، فلم أجد كتابا مع أحد ، كما هو عادة أهلنا في كل محطات حياتنا ، فتذكرت زمانا ، كان من الموضة أن يكون الكتاب مصاحبا للمتدينين ، ولكن الزمن تغير ، فأصبحت مفاتيح السيارات ، وآخر الموديلات من التلفونات المحمولة بديلا عن الكتاب ، وهذه ظاهرة تدل علي أن المتدين في لحظة ما بعد الصحوة بعيش في غفوة ، ولهذا تشابهت العقول لدينا ، وإن اختلفت في الأشكال .
٤- ذهبت يوما ليست بعيدة إلي مستشفي الطوارئ في أوتاوا مصاحبا لزوجتي العزيزة ، وبقينا هناك ما لا يقل عن خمس ساعات متتالية ، فمن هناك لاحظت ما جعلني أراجع حياتي مع الكتاب ألف مرة :
– رأيت سيدة عجوزا بلغت من العمر عتيا ، ربما تجاوزت التسعين ، ولديها مرض خطير يقال عنه الخبيث ، ولكن في يدها شيئان فقط ، ثلج تأكله لتجد منه البرد ، وكتاب تقرؤه بدون مقاطعة ، فنظرت اليها بأعجوبة ، وهززت رأسي وأنا أشعر بالأسى ، ولكنها نظرت إلي مبتسمة ، فكأنها تقول لي : ألم يقل الشاعر عندكم : الكتاب خير جليس في الزمان .
– رآيت سيدة تصاحب شريكها المريض ، ولكنها علمت من خلال التجربة بأن الشخص يبقي في الطوارئ هنا مدة طويلة ، فحملت في يدها كتابا تقرؤه للتسلية والإستفادة معا ، وفي اليد الأخري تقوم بتدليك جسد زوجها لتهدئته ، إنها كانت من روائع ما رأيته هنا في كندا .
٥- استمعت قريبا ندوة عن التنمية المتوازنة في العالم من بعض الباحثين في هذا البلد ، فكنت أستمع إليهم ، وكانت باللغة الفرنسية ، ولاحظت في الندوة ثلاثة أمور :
– قوة في المعرفة ، فالجميع يتحدث منطلقا من أرضية معرفية كبيرة ، ومن قراءات عميقة ، فليس في كلامهم مكانا للغة الانشائية .
– الإستدلال القوي ، واستدعاء المعلومات من مظانها ، والاحترام المتبادل ما بين المتحاورين ، والابتعاد عن روح الإستعلاء الفارغ ، بل والأبتعاد عن ادعاء امتلاك الحقيقة .
– وجود الكتاب بين أيديهم ، ليعودوا عند الضرورة ، فهم لا يخافون من العودة عن الخطأ إذا تبين لهم الخطأ ، فليس في قاموسهم ربط ما بين القداسة والشخصنة .
تذكرت حينها الندوات التي تجري في بلادنا في العالم العربي ، والقرني الأفريقي ، وكيف تتم بدون إعداد مسبق ، ولهذا وجدت أن القنوات هنا لا تبيع الكلام الفارغ ، والأصوات المرتفعة التي تنطلق من خناجر تدربت علي رفع الأصوات فقط .
٦- أصلي كثيرا في مسجد جميل في أوتاوا ، ولديه مكتبة جميلة ، وفيها من مصادر المعرفة الشرعية الكثير ، ولكني ألاحظ في المسجد ما يلي :
– لا علاقة تذكر ما بين المكتبة والجمهور ، فقلت في نفسي وانا أشعر بالخيبة والحسرة من داخلي ، هل المكتبة بهذه الكتب النوعية من زخرفة المسجد فقط ؟
– لم ألاحظ في هذه المدة شخصا يتعامل مع الكتب ويقصد نحو المكتبة ، وهي في موقع جيد من المسجد ، ولم اجد من بين المصلين من يأخذ كتابا ليتصفحه ، فضلا عن قراءته ، هذه العلاقة السيئة بين الكتاب والمسلم ، حتي الموجودين في الغرب تنبئ بمستقبل غير سعيد .
– لم ألاحظ في حياتي هنا في كندا ، خطيبا يدعو الناس إلي القراءة بأنواعها ، فهذا النوع من البلادة لدي الانسان المسلم في الغرب لا تنبئ بخير .
٧- في هذه الأيام نتذكر مناسبة الهجرة النبوية ، وهي كانت تمثل حالة فريدة من التاريخ ، ومن وراءها فلسفة عميقة ، وهي أن الإرادة تسبق الإدارة ، ولكن هل من الممكن أن نستغل في هذه المناسبة لتغيير الإرادة في حياتنا كنوع من الهجرة ، فنهاجر البطالة الفكرية ، والعطالة العقلية ، ونبدأ ثورة جديدة من الداخل ، ونقرأ أكثر لنعرف أكثر .
٨- من الغباء في عالمنا اليوم ، أن نبقي بدون معرفة متكاملة في الحياة ، فقد رأيت الزمن في بعض بلادنا بطيئا ، لأن حركة الحياة فيها رتيبة ، ولكن أغلب الناس يملؤون الفراغ الهائل الناتج من هذه الرتابة الجلوس في المطاعم ، والبقاء في المجالس دون استفادة كاملة من الوقت في القراءة ، فهم دوما بين أمرين ، إما إن يكونوا مع التلفاز كوسيلة هامة في تلقي المعرفة في العالم اليوم ، وخاصة في العالم الثالث ، أو أن يتلقوا المعرفة شفاها من الآخرين .
وصدق من قال : المعرفة الجماعية لا تصنع معرفة حقيقية ، لأنها لم تمر بأهم محطة ، وهي محطة الغربلة ( القراءة الفردية المتأنية ) .
٩- قرأت قريبا كتابا ( كما يفكر الإنسان ) لجيمس ألان ، وهو كتاب هام يعتبره البعض بأنه مع كتب أخري يغنيك من الحصول في درجة ماجستير في إدارة العلوم ، وأهمية الكتاب تكمن في أنه يحررك من الأوهام ، ويجعلك رجلا يملك قراره بيده ، وليس بيد الآخرين .
عظمة الفكر في الغرب تكمن هنا ، لقد تجاوز الناس هنا مرحلة الطفولة الفكرية ، مرحلة الإنتظار في الغرف المظلمة ، مرحلة البقاء تحت الوصاية الأبدية ، فهم يبحثون من خلال المعاناة الحل ، ولا يبحثون الحلول من خلال الراحة ، فقد تحرروا من الوهم الفكري الكبير المتمثل بأن الآخرين هم الذين يقررون المصائر ، فهذا الكتاب يعتبر من أفضل الإصدارات في العشرية الماضية ، وما زال في السوق الفكري هو الأعلي في المبيعات .
١٠ – تعالوا نؤمن ساعة ، كانت إحدي إبداعات السلف في استدامة الإيمان في النفوس ، فلنبدع نحن مقولة جديدة ( تعالوا نقرأ ساعة ) وذلك لاستدامة المعرفة في العقول ، ولإخراج الجيل الحالي من التيه إلي الرشد ، ولإجل الوصول إلي ميادين القيادة والسيادة ، فلا مستقبل لهذه الأمة بدون أن تمتلك ناصية المعرفة ، ولا طريق لهذا إلا عن طريق القراءة الراشدة .
نجح المسلمون في الماضي حين جعلوا المعرفة وسيلة استثمارية للإيمان ، وتراجعوا كثيرا حين ظنوا بأن المعرفة العميقة قد تؤدي إلي الزندقة ، ولكننا جهلنا بأن الحضارة الاسلامية من خلال القراءة العميقة للأفكار أنتجت العقول الضخمة كالفيلسوف الشيخ ابن رشد رحمه الله ، والأصولي الفيلسوف الغزالي رحمه الله ، والمنظر العقدي الفيلسوف ابن تيمية رحمه الله ، والعالم الطبيب المسلم الرازي رحمه الله .
الحل الأمثل في الخروج من الأزمة الراهنة تكمن في قولنا مرة أخري ( تعالوا نفكر ساعة تفكيرا علميا ) ، ولا يمكن لنا أن نمارس التفكير العلمي بدون أن نؤسس لهذا التفكير أرضية علمية ، ومن أعظم وسائل التفكير العلمي ، القراءة المنهجية ، ولكن هل شباب الأمة مستعد ليحمل الإشعاع من جديد ويرفع الشعار ( تعالوا نقرأ ساعة

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى