أخبار سريعة
الرئيسية / أخبار سريعة / “الواقع” وثن الفكر العربي الجديد

“الواقع” وثن الفكر العربي الجديد

الجسر-ابويعرب المرزوقى28012016--1المفكر التونسى البروفيسور أبو يعرب المرزوقى .
“الواقع” وثن الفكر العربي الجديد .
تمهيد ..
لا يكاد يفتح أحد المفكرين العرب فاه أيا كان الاتجاه علمانيا كان صاحبه أو أصلانيا إلا ويقرع سمعك بهبل الجديد مع جوقته أو صيغة النظرية والعملية: الواقع ودوره سواء في فكره الوضعي (نقد التراث في ضوء الواقع !) أو في فقهه الشرعي (تطوير الفقه بفقه الواقع المزعوم!). فكيف نفهم المنزلة التي بات يحظى بها هذا الوثن وهل يدرك المتكلمون باسمه وظائفه الوثنية في خطابهم وفي الوجود ؟ ذلك ما أريد أن أدقق معناه فأحدد تصوره وأحصر دلالته قدر المستطاع بعلاج نسقي يبين خواء هذا المعبود الذي بات مطلوب كلا الحزبين المرضعين لجراثيم الحرب الأهلية في البلاد العربية جراثيمها التي تعج بها مزابل الفكر المنحط السائد على معركة نقد التراث المزعومة توظيفا بالسلب عند العلماني أو بالإيجاب عند الأصلاني.
فالمعاني المتداولة عند موثني الواقع سواء كانوا من العلمانيين أو من الأصلانيين لا تتجاوز الفهم العامي لتصور الواقع. إنها تدور كلها حول أمور ليس لها علاقة بمعانيه في اللسان العربي ولا بمعانيه في القرآن الكريم كما نبينها لاحقا فضلا عن معانيه العلمية والفلسفية بل هي مستمدة من تضمين خفي لمعاني الكلمات الأجنبية التي يترجمون بها في لا وعيهم كلمة الواقع فيغلفون المفهومية العامية بظرف اللغة الأجنبية: يغصبون فقه اللغة العربية على أن يرطن إفرنجي دون تمكن حقيقي منهما فضلا عن الجهل بطبيعة التصور المثالية التي ترد إليها المعاني الفلسفية كما سنرى. ألست ترى بعضهم يكلمك على فقه الكلمات العربية باثميولوجيا ما يتصوره مقابلا لها في اللسان الفرنسي أو الإنجليزي ؟ وحتى في هذه العاهة فإنهم يذهبون إلى أفسد ضروبها وأقلها قربا من الدلالة التي تستمد من العربية. فبدلا من المقابل الألماني Virklichkeit الذي يمكن أن يقربهم من المعنى العربي لكلمة واقع لأنها تفيد الفاعلية الحقة أو الأثر الذي بالفعل تراهم يذهبون إلى الاستمداد من اثميلوجيا كلمة فرنسية ذات أصل لاتيني Resيعني الشيء كلمة فرنسية هي ريال Réel ويأخذونها في معناها الغفل بمعنى الشيء المادي الخارجي لا بمعنى “الأمر” أو الشيء المجرد جاعلين ما لا يطابق هذا المعنى الغفل وهما في أقصى أحكامهم صرامة على ما ليس بواقعي عندهم وفي أدناها صرامة يقابلون بين ما في الذهن وما في العين اعتمادا على خرافة رد الفكر إلى المرآة المنفعلة التي تعكس الواقع.
لذلك فسنقفو أثر هذا الصنم لحصر مقوماته بالمقابل مع الدلالة الخفية والوظيفة المنسية لتصور الواقع في اللسان العربي وفي العلم والفلسفة والدين مقوماته التي تعارض تمام المعارضة ما آل إليه أمره في التمثلات العامية للمعاني العقلية التي جعلتها نخبنا شعارات فافقدتها وظائفها الحقيقية. وأملنا من القارئ أن يعذرنا فلا يتهمنا بالتعسير في ما يتصوره قابلا للتيسير: فالمسألة بذاتها معقدة ولا ذنب لنا في محاولة اقتصاص كل تشاجناتها بالمستطاع من التحرير الذي يقتضيه التحليل العقلي الخبير. وهذه هي مسائل البحث:
1- مجال الدلالة ببعديه القرآني الخاص واللساني العام.
2- التأسيس النظري في الفكرين الأصلاني والعلماني.
3- التأسيس العلمي في الفكرين الأصلاني والعلماني.
4- نتائج التأسيسين على إبداع الأمة الرمزي والفعلي.
5- سبل التحرر من هذا الوثن وآثار التأسيسين.
مجال الدلالة القرآني واللساني
البعد القرآني الخاص:
بخلاف المعتاد فإننا نبدأ بمجال الدلالة القرآني الخاص لعلتين:
فأما العلة الأولى فهي ما يلاحظه أي متصفح لمعجم لسان العرب من تعذر الجمع بين المعاني الكثيرة والمتناقضة لمادة “و.ق.ع.” في اللسان العربي من دون شواهد متواترة كافية تمكن من حصر الاستعمالات الأساسية للمادة ومشتقاتها شواهد من نصوص موثوق بها من الآداب العربية. فالدلالات التي ينسبها لسان العرب إلى مادة “و. ق. ع.” المجردة تبدو عديمة الأصل الجامع لأنها أولا لا تكاد تحصى ولأنها ثانيا غير مصحوبة بشواهد استعمال مقنعة تمكن من تحديد المعاني.
وأما العلة الثانية فهي أن القرآن يمكن أن يعوض فقدان الشواهد لأنه يعتبر حتى عند من لا يؤمن به ويكتفي بتنزيله منزلة النص الأدبي المجرد بديلا ممكنا من الشواهد المتواترة على استعمالات كثيرة لهذه المادة. فهو النص الوحيد الموثوق به أكثر من أي مصدر آخر خاصة وكل علوم العربية فضلا عن جمع الأدبيات واللسانيات العربية متأخر عنه في الزمان وفضلا عن كونه النص الذي ترد فيه مادة وقع ومشتقاتها أكثر من عشرين مرة. فمادة “و.ق.ع.” وردت فعلا أربعا وعشرين مرة في القرآن الكريم منها ثلاث عشرة مرة في صيغة فعلية (9 في الماضي و2 فعل في المضارع و 2 في الأمر) وإحدى عشرة مرة في صيغة مشتقات (7 اسم فاعل مذكر و2 اسم فاعل مؤنث صار علما على القيامة و1 اسم مرة و1 اسم مكان).
والدلالة تراوح بين الوقوع بمعنى السقوط (مثل قعوا أو وقعت السماء عليهم إلخ..) والوقوع بمعنى الحصول المجرد الفعلي أو المنتظر (وقع بهم أو وقعت الواقعة) أو بمعنى وجوب الحصول (وقع عليهم القول من جنس حَق عليهم القول) وينظر إليها ثلاثتها إما بذاتها أو بمحلها أو بفاعلها أو بمفعولها أو بموضوع فعلها. وكل هذه المعاني لا تتضمن المقابلة بين ما في الذهن وما في العين فضلا عن المقابلة بين الحقيقة والوهم بل هي تعني وجود علاقة بين حدث وزمان أو بين حدث ومكان بصفات الحصول المجرد أو الحصول المنتظر بإطلاق أو بتعيين متردد بين الإمكان والوجوب. وبذلك فإن هذا المعنى المتواتر في الورودات القرآنية يؤول إلى خمس دلالات عنصرية هي:
1- الحصول المجرد
2- والحصول الموجه (الإمكان والوجوب والامتناع)
3- واثر الحصول في موضوعه موجها حسب ظرفيه
4- الزماني بتصريف الفعل (وقع يقع سيقع ) والزيادة (واقع توقع وقع )
5- والمكاني بمشتقات ظرف المكان (موقع).
وهذا الحصر شبه النسقي يجعلنا نكتشف المسلك الهادي Der Leitfaden في الشبكة الدلالية التي يمكن أن تتمحور حولها معاني الواقع فييسر علينا الولوج إلى نظام المجال الدلالي في اللسان العربي الذي يبدو شبه مستحيل لفرط تنوع عناصره واختلافها.
البعد اللساني العام:
رغم ما ذكرنا من تعدد معاني المادة وتعارضها إلى حد يكاد يلغي كل إمكانية لتحديد نواة دقيقة توحد بينها في مجال معين فإن أغلبها يدور حول فعل محدث للصوت وأثره سواء أخذ من حيث ذاته أو من حيث فاعله أو من حيث مفعوله في متلقيه أو في موضوعه أو من حيث جهة فعله المترددة بين الإمكان والوجوب أو من حيث ظرفيه الزماني والمكاني. لذلك فإن محاولة حصر هذه الدلالات ليست مستحيلة إذا عدنا إليها من الفكرة الأولى التي أوحت بها معانيها في النص القرآني معانيها التي توجهنا إلى مزيدات المادة الأبرز في الاستعمال السائد على الأدب العربي عامة وعلى القرآن الكريم خاصة المزيدات الدالة على مستويات التجريد اللساني لأنها علامات تصوير المادة القصدي.
وقد يكون من المفيد أن نستعمل طريقة في الحصر المنهجي لخارطة مجال الدلالة تبدأ بحدي المعنى الأقصيين كما يبرزان من أهم مشتقين مزيدين من المادة ثم نرتب ما بينهما كما يفعل الفلاسفة عادة في كل عمليات الحصر الشارط للسبر والتقسيم أو عند تحديد العلاقة بين متعين الصورة ولا متعين المادة: مثل العلاقة بين متصل الصوت والنغمات أو الحروف أو متصل الفضاء ومنفصل الأشكال إلخ..:
1- فمعنى الإيقاع الناتج عن إدراك نظام النقر الموقع للحن هو بداية المعنى المركزي الذي نطلبه أو الحد الأدنى الذي يمكن اعتباره جامعا لكل الزيادات التي تحدد معنى مادة وقع.
2- ومعنى التوقع الناتج عن مفعول إدراك الموقع في نظام الإيقاع- في معناه المجرد الذي قد يكون جوهر القانونية في الفكر العلمي والفلسفي من حيث هو دالة بين متغيرات الثابت فيها هو علاقة الدالة- على وقوع ما نتوقع مواقعه يمكن اعتباره الحد الأقصى لهذا المعنى المركزي لأنه ينطلق منه إلى مستوى تجريد أرقى.
3- وبين الحدين يمكن تعيين وسط هو الوقع الذي هو في نفس الوقت الصوت الذي يحصل عند الوقوع عامة أو النقر خاصة وأثره في المتلقي بمعنى أول أو بمعنى المعنى.
4- وبذلك نستطيع الوصل بين البداية وهذا الوسط وصلا ينتج عنه معنى وقع الإيقاع في النفس المعينة ومعنى معناه في عالم التصورات المجردة التي نفترض لها محلا عقليا هو في الفكر الديني الإسلامي اللوح المحفوظ وفي الفكر الفلسفي الكلاسيكي عالم المعقولات.
5- ومن الوصل بين الوسط والغاية وصلا ينتج عنه معنى وقع التوقع في النفس المعينة ومعنى معناه في عالم التصورات المجردة بمحله العقلي المشار إليه سواء من المنظور الديني أو من المنظور الفلسفي.
فتكون المعاني كالتالي:
1- الإيقاع أو نسق النقر الذي يضبط مدد الزمان ويقيسه
2- والتوقع أو نسق التنزيل في المحال التي يقع فيها النقر نسقها الذي يضبط المكان ويقيسه. وذانكما هما الحدان الأقصيان لمعنى الواقع أعني نسقي ظرف الزمان وظرف المكان
3- أما الوسط بين الحدين على نفس البعد منهما فهو الوقع أو النقرة الناتجة عن السقوط في عناها الأول أو معنى معناها
4- وبين الحد الأول وهذا الوسط نجد معنى الوقع الرمزي أو وقع الإيقاع أي معنى المعنى أو التأثير مرموزا إليه بأثر إيقاع الوقع الذي هو مادي ويعني الطرق والصقل والتثقيف والتحديد
5- ثم بين الوسط والحد الأخير نجد معنى المعنى الثاني أو وقع التوقع أعني نظام العلامات كما يحصل في توقيع المرء لشيء أو عليه شرطا في كل توقع.
وإذن فالوقع هو النواة المركزية للمعاني لكونه يتضمن المعنى (وهو مادي صرف) ومعنى المعنى (وقد يكون ماديا أو معنويا صرفا) في نفس الوقت. وعنه يتفرع معنيان هما الإيقاع ووقعه وكلاهما يمكن أن يكون ماديا كما في الموسيقى ووقعها أو معنويا كما في الترتيب الذوقي عامة دون تعين في مادة بعينها ووقعه الجمالي. وهما يتفرعان عنه رغم كونهما شرطا في نقله من معناه الأولى إلى معنى معناه. ويتفرع عنه معنيان آخران بتوسط المعنيين السابقين هما التوقع ووقعه وكلاهما لا يكون إلا معنويا لأنه فعل عقلي صرف مشروط في كل فاعلية إنسانية نظرية كانت أو عملية لما له من صلة ببعد الزمان المقبل ومن ثم بما لا يمكن أن يوصف بالواقع في معناه العامي عند مفكرينا العلمانيين أو الأصلانيين. لذلك كان المحل الغائي في الحالتين هو محل المعقولات فلسفيا واللوح المحفوظ دينيا مرورا بالمحل الأقرب أعني النفس البشرية وليس ما يتوهمه علمانيونا أو أصلانيونا في تخيلاتهم العامية لصنم الواقع الخارج عن العقل والنص والمحتكم إليه بالخروج من العقل والنص: ليس من خروج منهما إلا بالمعنى المجازي الذي يصف موقفهم بكونه خروجا عن العقل والنص بمعنى فقدان معايير العقل والنقل النقية وضوابطهما السوية.
جهل العلماني والأصلاني بطبيعة التأسيس النظري
ليس في المعاني المتداولة عند موثني الواقع أي رائحة من كل هذه الدقائق بل هي لا تتجاوز الفهم العامي لتصور الواقع الغفل الذي هو دون خيال الطفل. فهي تقتصر على المقابلة بين ما في الذهن وما في العين اعتمادا على خرافة رد الفكر إلى المرآة المنفعلة التي تعكس الواقع حتى وإن حرفت العكس بعض المواقف الإيديولوجية التي يزيحونها بوهم:
1-التحليل النفسي أو
2-التأويل الاجتماعي أو
3- النقد الثقافي.
وتلك هي ثلاثية الأدوات التي يزعمون استعمالها دون سلطان حقيقي عليها ولا فقه لشروطها. فهم يدعون أنهم يحتكمون إلى الواقع بواسطتها عند نقد النصوص والمواقف احتكاما يصلهم وصلا مباشرا بالواقع الصلب فيحررهم من الأوهام والأحلام التي ينسبوها إلى غيرهم ممن يجادل في تصورهم للواقع. ورأيي أنهم يجهلون مفروضات هذه الأدوات إذ إنهم لو كانوا يفهمونها بمقتضياتها النظرية حقا لعلموا شروطها التي ترفض تام الرفض المدلول العامي للواقع. فواقعها هو المجرد النظري المحدد لبنية النفس في الأداة الأولى والمحدد لبنية المجتمع في الأداة الثانية والمحدد لبنية المنظومات الجامعة بين محددات البنيتين السابقتين أعني المجرد المطلق المحدد لبنية الترميز في الأداة الأخيرة.
فهذه النظريات النقدية جميعا تخلصت مما تردى إليه فكر أنصاف المثقفين من عامية تمثلها نظرية الانعكاس التي تجاوزها حتى الفكر الماركسي البدائي. فلا واحدة منها تعارض نصا بواقع غير نصي بل هي جميعا تعارض نصا (=موضوع) بنص (=ما بعد موضوع) أو نظرية موضوع بنظرية ما بعد موضوع. مراجعة نص بواقع غير نصي أمر ممتنع بالذات إذ لا نخرج من النص المنقود إلا إلى نص بديل هو النص المؤسس لفعل النقد: نص النظرية التحليلية أو نص النظرية التأويلية أو نص النظرية النقدية وجميعها نصوص أكثر تجريدا من الموضوع الذي تنطبق عليه.
كل هذه النظريات تحررت من صنم الواقع بالمعنى العامي الذي يحاكم به علمانيونا التراث واختارت الواقع بالمعنى الذي حاولنا تحديد مقوماته من منطلق نص القرآن الأمين وفقه اللسان العربي المبين. لذلك حق لنا أن نقول إن أقل الناس دراية بالعلوم الحديثة هم أكثرهم كلاما عليها. وهم دون شك أكثرهم عقما لأن غاية ما يعلمونه هو ما يشبه فعل الميكانيكي الرعواني الذي يطبق وصفات لإصلاح السيارات ولا يرتفع فكره إلى النظريات في الإوالة أو فعل الممرض الذي يطبق الوصفات ولا يرتفع إلى فن الطب فضلا عن علم الأحياء.
والغريب أن الأمر نفسه هو ما حصل منذ القرن الخامس الهجري الذي اكتمل فيه استقلال الفكر الفلسفي العربي عن مجرد التعلم من اليونان بعد اكتمال مرحلة التقويم النقدي للتراث اليوناني بخلاف ما يلوكه محرفو تاريخ العلوم في الحضارة العربية الإسلامية. فقد كان أكثر الناس إبداعا للعلوم أبعدهم عن اجترار مبتذلات الدروس الفلسفية الرسمية (الفلاسفة بالمعنى المتعارف) وعن كثرة الهذيان بالعقلانية (المعتزلة والباطنية). فكل المبدعين في العلوم المنتسبة إلى الفلسفة لم يكونوا من الفلاسفة ولا من المعتزلة بل من فرق أخرى وأغلبها أشعرية أو قريب من العقلانية النقدية التي أسستها: فالبيروني وابن الهيثم والطوسي والفلكيون والأطباء الكبار بعد سقوط بغداد لا ينتسبون إلى الفلاسفة الذين كانوا شراحا لمدونة أرسطو لا غير ولا من الاعتزال الذي لم يتجاوز دعوى العقلانية إلى العقلانية.
أما المحاولات النقدية الجدية للفلسفة التقليدية وتأسيس العلوم التي هي ما اختص المسلمون بإبداعه قبل سواهم من الأمم-حتى إنه يمكن القول إن نسبة دور المسلمين في تأسيس علوم الرمز والتاريخ إلى تطور العقل الإنساني هي عينها نسبة دور اليونان في تأسيس علوم المنطق والطبيعة-فإنها كلها بدون استثناء أشعرية الهوى والموقف النقدي من الفلسفة والاعتزال: فنقد الميتافيزيقا (تهافت الفلاسفة) ونقد المتاتاريخ (فضائح الباطنية) ثورتان غزاليتان وعلوم الرمز والآداب (الجرجاني) والتاريخ (ابن خلدون) وضعها مفكرو الأشعرية الذين هم أقل الناس ثرثرة حول العقلانية بل وأكثرهم نقدا لها لكونهم أدركوا حقيقتها وشروطها فعملوا بها بخلاف المقتصرين على الدعاية لها دون فهم ولا دراية بشروطها وحقيقتها.
وبين أنه لا علاقة لهذا الوثن بما يفهمه أي عاقل من عبارة القرآن:”إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع” (الذاريات 6) بمعنى توقع يوم الحساب وانتظاره باعتباره أمرا لا شك فيه عند المؤمن به لكونه سيحصل كما يتوقعه بمعنى انتظار المؤمن لما لا ريب فيه إلى حد يفوق توقع العالم لما تقتضيه النظرية العلمية. فبما هو توقع لأمر في الاستقبال ليس هو بعد واقعا بمعنى الواقع عند هؤلاء العامة الذين يتكلمون في العقلانية بلا عقل فضلا عن كونه مجرد وهم في نظرهم إذ هو يتكلم في البعث الذي يعتبرونه خرافة. كما لا يمكن أن يفهموا من الواقع ما يمكن أن يشتق منه مدلول “فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم” (الواقعة75) لأن القرآن عندهم كلام محمد ومحمد أمي لا يمكن أن يكون عالما بدلالة مواقع النجوم وقيمتها في الفلك العلمي. لذلك فلا يكون المقصود في رأيهم إلا المعنى السحري للتنجيم. وذلك عين اللاواقع لأنه من أهام المنجمين !
وهذا “الواقع” الصنم هو بهذا الفهم معين المعايير التي يحكمها مؤولو القرآن والسنة وكل التراث مؤولوه من دجالي الزمان:
1-فالعلمانيون يؤولون من هذا المنظور العامي وبالسلب المطلق استثمارا للتاريخية التي تحقق عندهم التخلص من المقدس كما يفعلون عندما يرجعون النص إلى ظروف الحصول (بالمعنى الماركسي) وأسباب النزول (بالمعنى التقليدي المردود إلى المعنى السابق). وقصدهم إلغاؤه لأن مفعوله في زعمهم يزول بزوال ظروف الحصول وأسباب النزول: أمثال ناصر حامد أبي زيد وهم قائلون بقراءة ماركسية في ماضي النص أي الفهم بمؤثر الزمان.
2-والأصلانيون يؤولون من نفس هذا المنظور العامي وبالإيجاب المطلق استثمارا للقدسية التي تحقق عندهم التخلص من التاريخ كما يفعلون عندما يتصورون أن لهم فقها للواقع يمكنهم من تأويل الأحكام بما يماشي الزمان: أمثال كل الفقهاء المزعومين متنورين وهم في الحقيقة قائلون بقراءة ماركسية في مستقبل النص أو التطوير بمؤثر الزمان.
لذلك كان كلا الاستثمارين العلماني والأصلاني العائق الأساسي أمام نشأة الفكر المبدع عند كلا الحزبين النافيين لشروط التعالي الذي يؤسس للإبداع عامة والعلمي والديني على وجه الخصوص فضلا عن كونهم المحرضين على الحرب الأهلية في ما وصفناه سابقا بالدنكيخوتية العربية الحالية وصفا فينومينولوجيا وعللناه تعليلا جينيانولوجيا. وتلك هي علة سعينا إلى محاولة تحليل هذا المفهوم تحليلا فلسفيا يحرر الفكر العربي من وثن الواقع العامي فيعيد إليه حرية الفكر المبدع الذي يمتنع من دون التعالي والمقدس حتى لو اقتصرنا على وظيفة الخيال في الإبداع ولم نذهب إلى تسليم المؤمن بعكس العلاقة بين الطبيعة والتاريخ وما بعدهما نسبة للوجود الحق إلى الثاني والوجود الخلب للمتقدمين عليه.
وقد اعتمدنا على مجال الدلالة اللساني الخالص بعد مجال الدلالة القرآني لتحديد هذا المفهوم تمهيدا لطلب البديل مما تعطل من فعاليات حضارتنا في التأسيس الذي لا نختلف في ضرورته مع الحزبين رغم رفضنا لنهجهم الخاطئ. وبذلك تكمل سلسة النصوص التي عالجنا فيها هذه المسألة علاجا: 1- يصفها فينومينولوجيا في فينومينولوجيا الدنكيخوتية العربية 2-ويحللها تصوريا في مقامة الراء الجاحظية 3- ويشخصها رسميا في باطنية الفلسفة وظاهريتها 4-ويعللها تاريخيا في جينيانولوجيا الليبرالية العربية 5- لنصل إلى الغاية فنؤسس المراحل السابقة على تعليل شارح في نص الواقع.
تبين إذن من المعاني التي استخرجناها من تحليل الدلالات القرآنية واللسانية أن الواقع ليس هو ما يقابل ما في الذهن فضلا عن أن يكون ما يقابل ما في الوهم منه بل هو شبكة مثالية من البنى المجردة التي تتقدم على هاتين المقابلتين وتعللهما: إنه يقبل التشبيه بما أطلق عليه أفلاطون عالم المثل التي بالقياس إليها يحكم لأمر من الأمور بالوجود أو بالعدم ويرتب في سلم الحقائق من أدناه إلى أقصاه أو بما أطلق عليه القرآن الكريم اسم اللوح المحفوظ الذي بالقياس إليه يتحدد الخلق (العالم الطبيعي والنظر) والأمر (العالم التاريخي والعمل) ليصبح السعي لعلمهما والعمل بسننها ممكنين. وبهذا المعنى فإن الواقع يمكن تعريفه سلبا وإيجابا بالصورة التالية:
فليس هو العالم الطبيعي كما يتوهم الحسيون بل هو منظومة قوانينه الرياضية ومنطقها (وذلك هو موضوع العلوم التي نشأت مع مبدعي الفرضيات التحليلية التي تبدو منافية لكل واقع كالخلاء المطلق والزمان والمكان المطلقين أولا ثم كالهندسة الرايمانية لاحقا وهي أمر ذهني بل وأحيانا وهمي من منظرو الواقعيين الأغفال)
وليس هو العالم التاريخي كذلك كما يتخيل الماديون الجدليون بل هو منظومة قوانينه التي تحقق التكامل بين محددات تاريخ الإنسان الطبيعي ومحددات تاريخه الثقافي ومنطقها (وذلك هو موضوع العلوم الإنسانية التي نشأت مع مبدعي الفرضيات التأويلية التي تبدو منافية لكل واقع كقوانين الإنتاج المادي أو الاقتصاد أو كقوانين الإنتاج الرمزي أو الثقافة في مقدمة ابن خلدون وكل ذلك من الأمور الذهنية التي ينفيها أغفال الواقعيين).
الواقع هو إذن أمر لا يوجد إلا في النظام الرمزي (أي كل التراث الإنساني) الذي تكون منه صورة تأويليلة في الذهن عند من لا يؤمن بما وراء العالم الطبيعي وما وراء العالم التاريخي. وليس لهذا النظام وجود خارجي في هذين العالمين يمكن للسخفاء أن يخرجوا إليه منه ومن تأويله في عقولهم ليقايسوا به النصوص التي يحاكمونها: فهم أقصى ما يمكن أن يفعلوه هو أن يحاكموا نصا بنص في ضوء نظام تصوري ورمزي لاغير. وكنا نقبل أن نخوض معهم لو زعموا أنهم يحاكمون نظام النصوص الدينية بنظام النصوص العلمية أعني نظام الفرضيات الرياضية لعلم الطبيعيات ونظام الفرضيات السياسية لعلم التاريخيات أو يحاكمون النصوص الأدبية بالنصوص الفلسفية التي هي نظام الفرضيات الرمزية لعلم الرموز والفرضيات العقلية لعلم المنطق. لكنهم أبعد الناس عن هذه الأصناف الأربعة من العلوم: الرياضيات والسياسيات والرمزيات والمنطقيات لأن التمكن منها لا يكفي فيه مضغ الإيديولوجيات إذ هي ولا شيء سواها يؤلف نسيج الواقعيات التي هي عين المثاليات !
هم يتصورون الفاعلية في التخبط العملي على غير علم وينسون أن وضع نظرية اقتصادية واحدة يمكن أن تغير كل العالم الاقتصادي أكثر مما تفعل كل النضالات النقابية التي يتصورونها فاعلة للتاريخ دون سواها: فنظرية كايناس مثلا حققت للعمال بتعديل النظام الرأسمالي ألف ضعف ما كان يمكن أن يحققه النضال النقابي الذي يمكن أن يحقق زيادة طفيفة في الأجور لقطاع معين من العمال بدل النظرية المتكاملة للاقتصاد الكايناسي. ونظرية واحدة في الفيزياء يمكن أن تحقق ثورة في الحرب أو في الاقتصاد. ونظرية واحدة في الإحياء يمكن أن تحقق ثورة في الطب والصحة تغذية وعلاجا أو في الزراعة تنمية وتطويرا.
ومجمل القول ومفصله هو أن العقل لا يؤثر في ما يسمونه الواقع مباشرة بفعل مادي أو نضالي واقعي كما يتوهمون بل هو يؤثر في الواقع النظري بالأدوات النظرية التي تمكن من فهم آليات الواقع المثالية فتستطيع من ثم إبداع أدوات مادية تفعل في الواقع العامي فتغيره بما أبدعته من أدوات الفعل فيه. وبذلك يمكن لمهندس واحد أن يفوق فعله في الحرب فعل مليون عسكري عامي أغلبهم يكون في الحرب مجرد آلة حاملة لآلة. ويكفي أن نذكر أسطورة تنسب إلى أرخميدس هزيمة جيش كامل في شواطئ صقلية بنظرية المرايا المحرقة ! وحتى ما في القلوب من إيمان يجعل العامة أكثر فاعلية من المثقفين فإنه عامل روحي مشترك بين المهندس المبدع والجندي الصامد. فالأول يبدع بدافعه الروحي والثاني يصمد بحرارة الإيمان. ثم إن هذا العامل النفسي هو بدوره ليس من الواقع العامي حتى وإن بدا أكثر تأثيرا في العامة-في ظن العلمانيين الذي يحتقرون المعتقدات لحسبانهم تأثيرها في العامة دالا على عاميتها- بل هو من الواقع الروحي المجرد: المعتقدات التي في القلوب.
والمعلوم أن نسبة الإبداع الرياضي (بمعنى السنن المتعلقة بنظام الظاهرات الطبيعية في تصور نيوتن أو أينشتاين وكل الأنساق التي يضعها الرياضيون نماذج لمجريات الأمور في العالم الطبيعي من منطلق نظام مثالي) إلى الطبيعة هي عينها نسبة الإبداع السياسي (بمعنى السنن المتعلقة بنظام الظاهرات التاريخية في تصور أفلاطون أو ابن خلدون أو كل الشرائع من حيث هي سيناريوهات لمجريات الأمور في العالم التاريخي من منطلق نظام مثالي). وهم يرفضون أن يفهموا هذه الحقائق أو لا يستطيعون السمو إلى فضائها الرحب إذ لو فعلوا لاضطروا في تلك الحالة إلى التخلي النهائي عن صنمهم وأسطورة الاحتكام إليه في تحليل النصوص وتأويلها. ولشرعوا في العمل الجدي للإبداع العلمي بدل مضغ المبتذلات مما أكل عليه الدهر وشرب من النظريات التي شبعت موتا. فالنصوص عامة والنصوص المقدسة على وجه الخصوص هي التي تصنع الإبداع الذي يصنع الواقع المجرد الذي أشرنا إليه فيمكن من الفعل في الواقع العامي الذي يخرفون حوله ويقرأون تعاويذ جهلهم بمعاني التصورات الفلسفية التي يستعملونها.
جهل العلماني والأصلاني بطبيعة التأسيس العملي
ولكي نثبت النتيجة التي ختمنا بها الفصل السابق أعني دور النصوص عامة والنصوص المقدسة خاصة سننظر في هذا الدور التأسيسي من المنظور العلمي سواء انتسب إلى الفكر الديني أو إلى الفكر الفلسفي. ولنطلب النتائج التي تترتب على منطق أصحاب الصنم الواقعي من انعدام الشروط في التعامل مع واقع يمثل الآخر بالإضافة إلى النصوص التي ستحاكم في ضوئه. فما الذي يمكن أن يكون النسيج اللاحم بين مكونات هذا الواقع وعناصره التي من دون نسيج لاحم تذروها رياح فوضى الواقع فوضاه التي يتخلص منها حتى الفكر العامي بنسيج يحقق التلاحم الضروري ولو بفنيات الخرافة والأدب الشعبي؟ أليس هذا الواقع من دون التلاحم الرمزي كحبات الرمل التي لا يصل بينها واصل منطقي معين عدا عصف الرياح حباته التي تكدس بمفعول خارجي آلي تحكمه ضرورة عمياء تتشكل بمقتضاها الكثبان الزاحفة على الوعي المدرك لها ؟
أليس تقدم التصورات التي يمكن أن تكون على الأقل تصورات في نصوص أسطورية هو الذي ينتظم به سلوك الإنسان إزاء الكثبان الزاحفة على ركح وعيه حتى لا يصاب بالجنون أمام إثارات المدركات الحسية التي تهجم عليه كالسيل العرم ؟ ثم أليس عمله المعرفي والنقدي بعد ذلك هو الإصلاح المتصل لهذه التصورات الأسطورية بعملية نقد منطقية وتجريبية مبتداها نصوص أخرى يغزلها لتكون دارقته في التعامل مع شلال المعلومات الفوضوية الواردة عليه مما يسمونه الواقع أعني السيلان الأبدي لفوضى المدركات ؟
هذا بالنسبة إلى التعامل النظري أو المعرفي مع المدركات. فكيف يكون الأمر بالنسبة إلى التعامل العملي مع العوامل المؤثرة في حياة الإنسان العضوية والخلقية وشروطهما سواء كانت ذات صلة مباشرة بالأفراد أو من حيث صلتهم بالحياة الجماعية ؟ هل يمكن للإنسان أن يتعامل مع هذه المؤثرات وهو خلو من تصور ما قد يكون محفوظا في نص أو في ما يشبه النص أعني في ذاكرته التي تراكمت فيها تجارب عامة ربي عليها وتكون كالحشية الدارقة بينه وبين السيلان الأبدي لمجهول التدفق “الخارجي” للواقع بالمعنى العامي ؟
وهل موقفه النقدي -في حالة فشل ما عنده من تصورات في التعامل-يمكن تصوره منطلقا من الواقع أم من نص فرضي يبدعه العقل الإنساني حشية دارقة بديلة هي في الحقيقة منظومة السيناريوهات الشرطية (إذا…إذن) التي يقتضيها التنسيق المخلص من الفشل دون أن يكون للفكر القدرة على الخروج من النص المكتوب أو المفروض للتعامل مع هذا المجهول المسمى في عرف أصحابنا واقعا في حين أنه ليس شيئا آخر غير فشل النص أو البناء المنطقي والرمزي للتعامل مع شلال الإدراك.
أما وظيفة النصوص المقدسة فهي تأسيس الوجود نفسه وجود الذات ووجود الموضوع فضلا عن تأسيس شروط إمكان قدرة الذات على التعامل مع الموضوع وقابلية الموضوع على التعامل معه: تصور الحياة الإنسانية من غير نص مقدس مستحيل فعلا (لا وجود لعمران من دونه في المعلوم من التاريخ) وتصورا (لا يمكن تصور بشر مجتمعين من غير منظومة قواعد يقدسها الجميع شرطا في التعايش والتعاون والتآنس من جنس العقد بينهم ويضمنه ما يؤمنون بأنه سيد الجميع). لذلك فالنص الديني هو شرط الوجود الإنساني القادر على الأسئلة التي تمثل بمجموعها جوهر الإنسان:
1- المسألة الذوقية ولها صلة مباشرة بوظائف قيام النوع أعني اللذة الجنسية (النوع الأول من القيم الجذرية)
2- والمسألة الرزقية ولها صلة غير مباشرة بقيام النوع من خلال قيام الأفراد أعني الغذاء (النوع الثاني من القيم الجذرية)
3- ومسألة السلطان على الذوق (النوع الأول من القيم التي من القوة الثانية لأنها قيم قيم الذوق: أو سلطان التربية الروحية للإنسان)
4-ومسألة السطان على الرزق (النوع الثاني من القيم التي من القوة الثانية لأنها قيم قيم الرزق: أو سلطان التربية السياسية للإنسان)
5- ومطلق السؤال أو مسألة الوجود ومعناها وبها يكون الإنسان قادرا على كل هذه التمييزات ومن ثم فنصها يتقدم على كل واقع خاصة وهو يعيد الإنسان إلى الترتيب السوي يحيث تتقدم المباشرة الكلية على اللامباشرة الكلية تحريرا إياه من تقدم الأدوات على الغايات بسبب المباشرة العينية في الرزق وسلطانه على عدم المباشرة العينية في الذوق وسلطانه: لذلك فإنه لا تخلو حضارة من النص المقدس أو ما يقوم مقامه لأن مجرد التعامل مع الواقع الصنم ينبغي أن يكون ذا سنن يحددها نص ضابط للتعامل وتلك هي الوظيفة الرئيسية للمقدس الدال كليا على كل تعال (عند الجماعات) والشارط له جزئيا (عند الأفراد).
النتائج في إبداع الأمة الرمزي والفعلي
لا بد إذن من إخراج الأمة من ركام الثرثرة الإيديولوجية لكلا الحزبين الأصلاني والعلماني وثمرته أعني الحرب الأهلية في المجتمع المدني والسياسي لنتحرر من الواقع العامي فيصبح الإبداع المؤثر في الواقع بمعناه الفلسفي والديني ممكنا. فليس المقصود بإبداع الأمة الرمزي والفعلي لذاتها إلا دورها في الإبداعين اللذين يمثلان كيانها الحي وقيامها التاريخي: فذلك هو معنى وجود الأمة الحرة وهو عين فعاليتها التاريخية بمستوييها الرمزي والفعلي. فقيام الأمم يعتمد على الخلق الذاتي المستمر من خلال مقومات الوجود التاريخي المستندة إلى مثاله ما بعد التاريخي. ومن دون ذلك لن تبقى الأمم ذات قيام مختلف عن قيامها العضوي بل حتى هذا القيام فإنها تفقده إذا لم يكن لها ما تلتحم به عناصرها ليحصل المزاج أو الجماعة ذات الذاتية المتعينة التي تشغل أحيازا تخصها في الزمان (تاريخها) والمكان (جغرافيتها) وفي السلم (منزلتها بين الأمم) وفي الدورة (تبادلاتها مع الكون) وفي الوجود (كل العناصر السابقة في قيامها الفعلي والرمزي أي في هويتها وفي تصورها لهويتها).
وهذه المقومات اللاحمة تراوح صيغها بين الأسطورة والمعرفة العلمية حدين أقصيين متساوقين وليس متواليين فحسب وهما حدان أقصيان يصلهما وسيطان هما حدث التاريخ الفعلي وقبله غزل النسيج الرمزي. ويجمع تلك المستويات كلها أصلاً لها وأساساً نصُ الأمة المقدس: النص المقدس هو القلب والحدان هما الأسطورة والعلم والوسيطان هما الإبداع الرمزي والإبداع الفعلي في حدث التاريخ. وهو لا يتضمنها من حيث هي حقائق حاصلة بل من حيث هي مطالب للتحصيل من دونها لا تقوم الهوية الفاعلة ولا تثبت الهوية المنفعلة في لحظات كبوتها. وقد حاول ابن خلدون تحديد آليات تحقيق هذه المقومات اللاحمة تحديدا سماه “علم العمران البشري والاجتماع الإنساني”.
ولعل عمق الثورة الخلدونية وعجلة نجوم الفكر العابدين لصنم الواقع قد حالا دون فهم أبعادها الأساسية التي تؤسس لنظرية اللواحم التي من دونها لا يمكن فهم العلاقة بين مقومات الوجود الإنساني. فهذا الفهم يحول دونه ومفكرينا مقابلتهم بين صنم الواقع والنظام الرمزي للإدراك الإنساني هذا النظام الذي قتلوه فصار عندهم تراثا بمعنى لا يشبه نظرهم نظر المستشرق إليه إلا من حيث الموقف لكنه دونه من حيث الكفاءة العلمية. فهم ينظرون إليه بمنطق الاثنولوجي الذي يكون التراث المدروس عنده ظاهرة خارجية يتعامل معها بمحاولة الخروج من تراثه.
لكن الإثنولوجي الغربي صادق مرتين وهم كاذبون مرتين: فهو صادق من منطلق تراث الذات وصادق من منطلق محاولة الخروج إلى تراث الموضوع. وهم كاذبون في الحالتين: فلا هم مستوعبون تراث الغرب المحتكم إليه ولا هم متمكنون من فنون الخروج الإثنولوجي. ثم إن الموقف الإثنولوجي هو نفسه مرحلة من مراحل الوعي الحضاري تتجاوز به الحضارات مرحلة الانغلاق على الذات سموا إلى الكلية البشرية: وهو أمر تقدم حصوله في حضارتنا فعليا (تاريخ الشرق الأدنى متعدد الملل والأعراق والحضارات) ومبدئيا (الإسلام يعتبر التعدد سنة إلهية بل هو يعتبر البشر ما خلقوا إلا لذلك. لذلك فهو يدعوهم للتعارف ويساوي بينهم) ثم وعيا علميا (في ما يشبه الدراسات الاثنية عند الرحالة العرب والمؤرخين والجغرافيين).
ولو انطلق مفكرونا العلمانيين والأصلانيين من هذه التجربة لكانوا أكثر توفيقا. لكنهم عكسوها فصار الموقف الإثنولوجي لا يعني عندهم الخروج من ثقافة الذات لفهم ثقافة الموضوع بل الاندماج في ثقافة ذات مستوردة لإدماج الثقافة الموضوع فيها أي تحويل استلابهم إلى معيار لتقويم التراث ! لذلك فمحاكمتهم بخلاف الموقف الإثنولوجي السوي عند بعض المستشرقين ذوي النزاهة العلمية مشوهة مرتين: فلا الوعي بتراث الذات ولا الوعي بتراث الموضوع بحاصلين وإنما الأمر يقتصر على مقارنة جهولة وجهلاء بين مجهولين (التراثين) بأدوات جاهلية (أي عنيفة رمزيا وماديا) فصار نص الماركسية واقعا يقاس به نص القرآن عند كل مؤول خرفان دون حاجة إلى مزيد بيان.
ولما كان التراث لا يفهم إلا بذاته المتجاوزة لذاتها من ماضيها إلى مستقبلها الذي تطلبه من كلي التجربة الإنسانية –التي لا توجد إلا في المثال أعني الواقع بالمعنى الفلسفي الحقيقي المقابل تمام المقابلة للمعنى العامي عند مفكرينا (ولعل من يفهم هيجل يدرك أنه لا يعني بمعادلته بين العقل والواقع شيئا آخر غير ما شرحنا)- وليس من تجربة عينية تحاكيها فإن حاضر التراث إذ يبدع مستقبله بمقتضيات تأويل ماضيه هو الوحيد القادر على الفهم الأصيل: ومعنى ذلك أن كل نقاد التراث لا يمكن أن يسمع لهم ما لم يكونوا مبدعين لمستقبله من تأويل ماضيه من خلال الالتزام بحاضره لا الانمحاء في حاضر غيره. أما من يتفصى من الحاضر فيستبدل المستقبل الذي ينبغي أن يتمخض عنه الإبداع يستبدله بمحاكاة الماضي سواء كان أهليا (الأصلانيون) أو أجنبيا (العلمانيون) فإنهم أبعد الناس عن الفكر ولا يستحقون الذكر.
لذلك عدنا إلى الحضارة العربية الإسلامية نفسها لتكون معين المقوم الذاتي (الذات القارئة) الذي تكون عودته على ذاته من حيث هي المقوم الموضوع (الذات المقروءة) عين التواصل الذي يجعل الحضارة ذاتية التطور.وأفضل من يمكن أن يمثل هذا التوجه في مجالنا المتعلق بالواقع النظري للوجود التاريخي للأمم هو ابن خلدون. فعمله النظري في المقدمة يساعد على تحديد هذه اللواحم لأنه هو أول من حاول أن يجيب عن هذه الأسئلة التي اعتبرناها جوهر الإنسان من حيث هو صلة بين التاريخ وما بعده بعد أن مهد له الطريق أعلام المدرسة النقدية بدءا بحجة الإسلام وختما بشيخ الإسلام.
ويمكن إجمال المسائل الموصلة إلى تحديد المقومات اللاحمة في نص ابن خلدون إجمالها في النقاط التالية بدءا بما يبدو عرضيا إلى أكثرها جوهرية:
1- فما العلة في ازدواج الاسم: علم (1) العمران البشري و(2) الاجتماع الإنساني ؟
2-وما علاقة ذلك بطبيعة الثورة المعرفية التي يسعى إليها ابن خلدون في مشروعه النقدي ؟
3-وما علاقة الازدواج بالثورة العملية التي يسعى ابن خلدون إلى تحقيقها في مشروعه الإصلاحي ؟
4-وما صلة هذا الازدواج بالتطابق الذي يجده ابن خلدون بين الأمر الشرعي والأمر الوجودي في فلسفة التاريخ التي يعتمد عليها ؟
5-وما العلة في تركيز ابن خلدون على كونية الموضوع وعلمه رغم انطلاقه من البحث في التاريخ الإسلامي ؟
يتصور العجلون أن ازدواج الاسم في علم ابن خلدون مجرد ترادف أو إطناب بلاغي في حين أنه دال على أصل عميق يحدد مستويات الموضوع الذي يدرسه العلم الجديد ومن ثم البنية المجردة التي تحدد الواقع الحقيقي وراء ظاهر التاريخ الإنساني في الكلام الذي من جنس إيديولوجيات المتكلمين على الواقع العامي وثنهم الذي تفغر له كل الأفواه بانشداه الغباء لا اندهاش الذكاء ! فابن خلدون يعرف موضوع علمه بكونه ينتج في الوجود الإنساني عن “التساكن لقضاء الحاجات” وعن “التساكن للأنس بالعشير”. فالتساكنان في الموضوع يناظران وجهي العلم: التساكن الأول يناظر وجه العمران البشري والتساكن الثاني يناظر وجه الاجتماع الإنساني في اسم العلم. والتعاون يتعلق بأدوات الوجود التاريخي للإنسان أدواته المادية أي بالرزق أو الاقتصاد. والتآنس يتعلق بغايات الوجود التاريخي للإنسان غاياته الرمزية أي بالذوق أو الثقافة. وهذان هما مادة العمران البشري والاجتماع الإنساني: الاقتصاد والثقافة.
لكن التساكن من أجل التعاون (أدوات الحياة الإنسانية) والتساكن من أجل التآنس (غايات الحياة الإنسانية) يقتضيان كذلك التنافس المحمود ولا يخلوان من بعض ما ليس بمحمود في التنافس على الأدوات والغايات خلال تحقيقهما. لذلك فالإنسان يحتاج إلى سلطان ينظم التعاون والتآنس فيشجع التنافس المحمود ويعالج نتائج التنافس المذموم: الوازع الزماني والوازع الروحاني. فيصبح التعاون بحاجة إلى سلطة تنظمه وتزع المتنافسين بعضهم عن البعض. وذلك هو جوهر السلطة السياسية أو الدولة. ويصبح التآنس بحاجة إلى سلطة تنظمه وتزع المتنافسين بعضهم عن البعض. وذلك هو جوهر السلطة الروحية أو التربية (التي هي في أغلب مراحل التاريخية لصيقة بالمؤسسة الدينية). وهذان هما مقوما صورة العمران البشري والاجتماع الإنساني: الدولة والتربية.
أما وحدة المستويات الأربعة المقومة لموضوع العلم أعني المادة بفرعيها (الاقتصاد والثقافة) والصورة بفرعيها (الدولة والتربية) فليست هي شيء آخر غير الجماعة (سواء كانت الجماعة المعينة في مكان وزمان محددين أو الإنسانية كلها في المعمور من الأرض وخلال كل التاريخ الإنساني) من حيث هي مصدر السلطات وموضوعاتها مصدرهما الذي يتراءى في الوعي الجمعي ترائيا هو جوهر النصوص المرجعية أو المقدسة: فالجماعة هي المشرع الفعلي في مجالات الرزق والذوق والسلطان على الرزق والسلطان على الذوق إذا كانت جماعة حرة وفاعلة في التاريخ بأدواته من أجل غاياته ولكن من خلال وعيها بإرادتها في نصوصها المقدسة وعيا يراوح بين الحدين اللذين وضع ابن خلدون التاريخ بينهما من حيث ظاهره الأدبي وباطنه العلمي. وذلك ما كان ابن خلدون يسعى إلى تحقيقه في مشروعه الإصلاحي بالنسبة إلى المسلمين إصلاحا يعتمد على علاج الآليات اللاحمة بمستوييها المضاعفين أي آليات الصورة وهي الدولة والتربية وآليات المادة وهي الاقتصاد والثقافة مع ربطها جميعا بآلية الآليات المطلقة آلية اللاحم الديني الذي تتأسس عليه في ثورته الدولة والتربية والاقتصاد والثقافة التي لا يمكن إصلاحها إلا بإصلاحه: لذلك كان الدافع العملي لثورة المقدمة بالإضافة إلى الدافع النظري بيان الحاجة إلى الحرية الاقتصادية والخلقية والسياسية والفكرية في صلتها مع مقاصد الشريعة الخاتمة.
سبل التحرر من صنم العلمانيين والأصلانيين.
أو الثورة المعرفية ومشروع الإصلاح العملي
ما العلاقة بين نقد ابن خلدون للمؤرخين في بداية المقدمة (نقد النقل الوثوقي الذي يغلب على الفكر الأصلاني) ونقده للفلسفة في غايتها (نقل العقل الميتافزيقي الذي يغلب على الفكر العلماني) ؟ مسألة غامضة أهملها نجوم الفكر الخلدوني لفرط واقعيتهم لكأن الأمرين ليس بينهما رابط. فالرجل أراد أن ينقل التاريخ من جنس الأدب (= ظاهر التاريخ) إلى جنس العلم (=باطن التاريخ) واعتبر ذلك عملية ستجعل التاريخ من علوم الحكمة أي من العلوم الفلسفية. والسؤال هو هل كان ذلك يكون ممكنا لو بقيت الفلسفة على ما كانت عليه قبله أي على الصورة التي كانت تستثني انتساب التاريخ إلى العلم؟ الجواب السلبي هو الذي يوصلنا إلى طبيعة العلاقة الخفية بين النقدين العلاقة التي لم يفهمها كل من يزعم أن ابن خلدون فيلسوف بالمعنى التقليدي الذي كان سائدا بين معاصريه أعني من أرسطو إلى ابن رشد إذ أن هذه الفلسفة لم تستثن التاريخ من مجالها فحسب بل هي نفسها صارت غير تاريخية ! بل إن بعضهم -لسخفه- يزعم أنه ما كان ابن خلدون ليكتب المقدمة لو لم يكن قد تحرر من الأشعرية فصار يقول بالسببية الفلسفية التي يعتبرونها قانون صنمهم الواقع !
لم يفهم هؤلاء أن الفلسفة لو بقيت محصورا علمها في الكلي والضروري بالمعنى التقليدي لامتنع أن يصبح التاريخ من مجال معرفتها. لذلك كان نقد الفلاسفة (وهم علمانيو عصره) في المشروع الخلدوني متقدما على نقد المؤرخين (وهم أصلانيو عصره) رغم أن هذا جاء في مقدمة المقدمة وذاك جاء في بابها الأخير ! رفع التاريخ إلى العلمية لتخليصه من الأسطرة الأدبية العقيم كان يقتضي خفض الفلسفة إلى العلمية لتخليصها من الأسطرة الميتافيزيقية العقيم: العلمانيون يعود فكرهم إلى الأسطرة الميتافيزيقية العقيم والأصلانيون يعود فكرهم إلى الأسطرة الأدبية العقيم. وهما أمران متلازمان ومشروطان في استبدالهما بالتنظير العلمي الذي هو الأسطرة الأدبية والعلمية المبدعة بل هما نفس الثورة للتخلص من ضربين من الأسطرة العقيم المعتمدة إما على آليات المجاز التي تسمح بها اللغة العادية أو على آليات المجاز التي تسمح بها اللغة العالمة في ذلك العصر حتى يتمكن من تأسيس التنظير العلمي أو الأسطرة المبدعة التي تحقق ثورة في الثقافة العربية الإسلامية: ومن لم يفهم العلاقة بين العمليتين النقديتين (نقد التاريخ ونقد الميتافيزيقا في عصره) لن يدرك أبدا كيف كانت ثورة ابن خلدون ثمرة النقد المتصل من الغزالي إليه مرورا بابن تيمية في بناء ثورة فلسفية تؤسس لثورة في العلوم الإنسانية.
فمن دون تحرير علم الطبيعة من أسطرة ميتافيزيقا الضرورة (العزالي: نقد فلسفة عصره) لا يمكن للفكر أن ينتقل من نظرية العلية الضرورية إلى نظرية القوانين الاحتمالية التي هي أساس التنظير العلمي في الطبيعيات. ومن دون تحرير عمل الإنسان من أسطرة ميتافيزيقا الحرية (الغزالي: نقد اعتزال عصره) لا يمكن للفكر أن ينتقل من نظرية العلية الاختيارية إلى القوانين الاحتمالية التي هي أساس التنظير العلمي في الإنسانيات. ومن ثم فإنه لا يمكن من دون هاتين الثورتين النقديتين رفع التاريخ من الأسطرة الأدبية العقيم إلى التنظير العلمي ولا خفض الفلسفة من الأسطرة الميتافيزيقية العقيم إلى التنظير العلمي لتأسيس علوم الإنسان بفضل زوال الفارق الانطولوجي بين مجالي المعرفة كما تصورتهما الفلسفة التي كانت سائدة: وهذان الشرطان هما جوهر النقد الأشعري لفكر الفلاسفة (نفي السببية في الطبيعة) ولفكر الاعتزال (نفي خلق العباد لأفعالهم في الأخلاق). فكيف يزعم السخفاء أن ثورة ابن خلدون شرطها القطع مع الأشعرية في حين أنها ثمرة ثورتيها النقديتين المضطرة ؟ لكن ما الحيلة إذا بات الفكر بيد الشغيلة ؟
لا أنكر تقدم الهم النظري في المقدمة. لكني أعتبر الهم النظري مع ذلك تابعا للهم العملي أي إن النصوص الفرضية لتأسيس التعامل العملي مع العالم متقدمة على النصوص الفرضية لتأسيس التعامل النظري معه بمقتضى ما يوجبه النص المقدس المؤسس للوجود نفسه فضلا عن التعامل معه. لذلك فإنه لم يكن بوسع ابن خلدون أن يقف عند نقد المتكلمين والفلاسفة في تصورهم للعلم وموضوعه التصور الذي ألغى كل إمكانية لتأسيس علم التاريخ على علم ويهمل نقد الفقهاء والمتصوفة في انجازهم للعمل وموضوعه انجازا يلغي كل إمكانية لتأسيس عمل التاريخ على علم. فالثورات التي كان الفقهاء والمتصوفة يقودونها باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخلط بين دور الدين ودور السياسة وشروط فعلهما هي التي فرضت على ابن خلدون أن يدرس العلاقة بين الظاهرتين فيضع المبدأين الأساسيين اللذين يؤسسان لمشروعه الإصلاحي بل هو قد ذهب إلى حد جعلهما عنوانين لفصلين مختلفين: في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم وفي أن الدعوة الدينية تزيد العصية قوة.
فالتلازم بين الأمرين تلازم يجعل كلا منهما في موضع الأداة والغاية بالتناوب. فيمكن للعصبية أن تكون أداة والدعوة غاية. ويمكن للدعوة أن تكون أداة والعصبية غاية. ومن ثم فهما متلابستان ولا يمكن الفصل بينهما. وكل الأخطاء تأتي من الفصل بينهما والسعي إلى الفعل السياسي بالعصبية وحدها أو بالدعوة وحدها فتفضيان كلتاهما إلى الهرج بسب هذا الفصل بينهما. ماذا يعني ذلك ؟ إنه يعني أن كل ما قيل عن العصبية ومحوريتها عند ابن خلدون دليل على سوء فهم لنظريته الإصلاحية. ذلك أن المؤثر ليس العصبية من حيث هي قوة مادية بل هي مؤثرة بما لها من شرعية أعني من قبول صريح أو ضمني عند الجماعة. فتكون العصبية أحد وجوه الأداة السياسية أعني الأداة المادية وتكون الدعوة الوجه الرمزي أو المعنوي من الأداة السياسة (سواء كانت الدعوة دينية أو عقلية إذ هو يميز بين ضربين من الشرعية التي تجعل الحاكم مطاعا: شرعية الدين وهي نوع من العقد ذي الأطراف الثلاثة الحاكم والمحكوم والضامن هو الحكم السماوي حول تبعية المصلحة الدنيوية للمصلحة الأخروية وشرعية العقل وهي نوع من العقد ذي الطرفين هما الحاكم والمحكوم حول المصلحة الدنيوية لا غير).
لكن تركيز ابن خلدون في نقده للفلاسفة على مبدأ العصبية غلط المؤولين فظنوه يعتبرها المبدأ الأهم ونسوا أنها عندما تكون بمعزل عن الشرعية تصبح عنده مفضية للهرج تماما كما يحصل للدعوة عندما تكون خلوا من العصبية: كلتاهما مثل الأخرى تؤدي إلى الهرج أي إلى نفي الحياة الجماعية السوية. فيكون المبدأ المؤثر في الفعل السياسي المتعالي عليهما ليس العصبية وحدها ولا الدعوة وحدها بل هو وحدة الأمرين والتلازم بينهما وذلك لأن موضوع علمه نفسه مزدوج الطبيعة: فالعصبية ترمز إلى التعاون المادي أو القوة الجمعية وإلى التنافس المعلل للوزع الزماني والدعوة ترمز إلى التآنس الروحي أو الشرعية الجمعية وإلى التنافس المعلل للوزع الروحاني. والجمع بين الأمرين هو المبدأ الذي تنبني عليها الدول والإصلاح عندما تكون الجماعة سوية ليس الواقع العامي وثنا عندها بل هو تابع لواقع متعال يحررها من عرضياته.
ولذلك كانت العصبية خمسة أصناف تماما كما هي الشرعية:
1- فالعصبية الأولى التي تغلب على العمران البدوي هي عصبية النسب الدنيا وشرعيتها هي المساواة في الانتساب إلى النسب المشترك وهي مساواة تجعل الحاكم يطاع ليس لأنه قادر على القهر بل لأنه جزء من المطيع أو لأن المطيع بجد فيه نفسه بمقتضى كون شرعية النسب فوق الجميع.
2- لكن ذلك لا يمكن من الانتقال إلى مرحلة أهم في العمران هي التي تحتاج إليها الدولة من حيث هي جهاز. فإذا كان الناس متساوين في النسب بات النظام الوحيد الممكن هو النظام الطوعي والسلطة الأدبية فيخلو مما يشبه آلية الأنظمة التي تحتاج إليها الدولة المعقدة بعد الانتقال من النظام البدائي إلى النظام الحضري. فتصبح عصبية الولاء الدنيا مقدمة على عصبية النسب لأن الموالي يقبلون بأن يكونوا آلات تطيع ربها وتخدمه لمنفعة مادية لا غير. وتلك هي عصبية الولاء وأهمها عصبية النخب التكنوقراطية وتبدأ بالجيوش والإدارة في الدول الامبراطورية القديمة. ومثالها عندنا ولاء البرامكة في دولة بني العباس. والغريب أن العلمانيين لا يمكن أن يكونوا غير هذا النوع من النخب التابعة: لذلك فأنت تراهم يفضلون الاستبداد بالفعل للحفاظ على مصالحهم المادية خوفا مما يتهمونه بالاستبداد بالقوة لكونه يتجاوز المصالح المادية حتى ولو علم الجميع أن ذلك آت لا مرد له وأن قدومه السلمي يحد من غلوائه وييسر تجاوز التنافي بين حزبي الحرب الأهلية العربية.
3- لكن هذه العصبية المستندة إلى شرعية الولاء للمنفعة سرعان ما تمتد يد أصحابها إلى ما يتميز به الرب ويريدون استتباعه بدل اتباعه. فيعود الرب إلى عصبية النسب ولكن بمعنى أوسع يتعدى القبيلة إلى الأمة بالمعنى الإثني للكلمة أو عصبية النسب العليا فتكون عصبية العرب أمام عصبية العجم مثلا. وتكون الشرعية شرعية إثنية يستند إليها الولاء المطيع واطمئنان المطاع لولائه.
4- لكن ذلك يتدرج بسبب بعد الأصل الإثني فيكون مقومات ثقافية بالأساس أعني اللغة والتاريخ والقيم وتنقلب هذه العصبية إلى نوع من الولاء العقدي أو عصبية الولاء العليا. وهو ما حدث عندما باتت الخلافة العربية يخدمها عصبيات إثنية متعددة. وعندئذ تكون الأمة قد حققت ما يمكن أن نسميه باللواحم الرمزية التي يمثل نسيجها بؤرة الحصانة الروحية التي لن ينفرط بعد حصولها عقد الأمة مهما حل بها من نكبات ! بل إن النكبات تزيدها متانة وصلابة: ويكفي أن ننظر ما يحصل اليوم في دار الإسلام فقرون الانحطاط وقرنا الاستعمار كل ذلك لم يضعف من حيوية الأمة بل هو جعلها تبقى على سيادتها الروحية على قلب العالم وتصبح ثورتها على أبواب تحديد قبلة البشرية من جديد لتحريرها من قانون التاريخ الطبيعي الذي جعلته العولمة المتوحشة رمزيا (سلطان الإمبريالية الصهيونية على نخب الغرب الثقافية) وماديا (سلطان الإمبريالية الأمريكية على نخب الغرب الاقتصادية) معيارا وحيدا للوجود الإنساني.
5- بذلك نصل إلى المرحلة الأخيرة فتصبح العقيدة القائلة بالمساواة بين البشر في مرحلة السعي إلى جعل العقيدة حقيقة: كيف يكون الإسلام رحمة للعالمين بما دعا إليه من التعارف بين أبناء آدم والمساواة بينهم والاعتراف بالتعدد الإثني والديني؟ فبعد البداية التي هي مجرد دعوة مثالية جاء بها القرآن أعني عصبية جامعة بين وحدة عصبية النسب (=الآدمي) وعصبية الولاء (=دين الفطرة) الأعليين ستسعى أمة الرسالة الخاتمة التي هي رسالة للعالمين وليست رسالة خاصة بأمة واحدة لتحقيقها لأن أساسها هو النسب الآدمي أو الأخوة الإنسانية والدين الفطري الذي يقول إن المستعمر في الأرض والمستخلف عليها هو الإنسان من حيث هو إنسان وليس ملة بعينها.
الخاتمة
ولما كانت هذه المرحلة الأخيرة يبدو تحقيقها شبه مستحيل فإن ما اكتمل منها هو وجهها السلبي أعني العولمة التي هي وحدة النوع الحربية في ما يشبه حرب الكل على الكل الشاملة للمعمور من الأرض تماما كما توقع ذلك النص المقدس المؤسس للتاريخ الإنساني على مابعد التاريخ التاريخ الإنساني الذي جعله ابن خلدون موضوع علمه من حيث:
1-وجهه العمراني (التساكن للتعارف والتآنس): وذلك هو منطق التارخ الطبيعي للأنسانية لو اقتصر على الحيوانية الصرفة.
2-وجهه الاجتماعي (التساكن للتآنس والتعارف): وذلك هو منطق التاريخ الثقافي للإنسانية لو اقتصر على الإنسانية الصرفة.
لكن هدف ابن خلدون من علمه الكوني الذي يطابق فيه الأمر الوجودي الأمر الشرعي أو قل أن يخالفه (=وهذا مبدأ مستمد من النص القرآني إذ هو يتعلق باستعمار الإنسان في الأرض واستخلافه فيها اعني مفهومي المقدمة الرئيسيين) هو البحث في العمران البشري والاجتماع الإنساني عامة. وهما لا يكونان إلا حصيلة هذين الوجهين المتلازمين اعترافا بمقومات الفطرة التي تقتضي من ثم التلازم بين الوازعين الزماني للسلطان على ما يمكن أن ينكص بالإنسان إلى الحيوانية الصرفة والسلطان الروحي الذي له نفس النتيجة كما بين الأمر في كلامنا على العلاقة بين العصبية والشرعية. لذلك نهى القرآن عن إرهابية السلطة السياسية إذ لا سلطان مادي فوق الجماعة والقرآن ونهى القرآن عن رهبانية السلطة الروحية إذ لا سلطان روحي فوق الجماعة والقرآن. وقد اجتمع ذلك كله في مدلول الآية 38 من الشورى حصرا للسلطان الروحي في الاستجابة للرب والسلطان الزماني في الشورى بينهم حول الأمر الذي هو لهم دون سواهم ودوران هذا الأمر على حياتهم الدينية رمزا إليها بالصلاة وحياتهم الدنيوية رمزا إليها بالإنفاق من الأرزاق:”والذين استجابوا لربهم *وأقاموا الصلاة* و”أمر+هم” *= شورى “بين+هم”* ومما رزقناهم ينفقون*”: لا سلطان للأمراء ولا للعلماء بل السلطان كله بيد الخلفاء أي البشر من حيث استجابتهم للرب الواحد.
لكن القوة التي يمكن أن تحرر الإنسانية من العولمة التي نكصت بالإنسان إلى منطق التاريخ الطبيعي لم تكن شروطها قد تحققت عند كتابة المقدمة بل كانت مجرد فكرة قرآنية وهي قد صارت اليوم مطلبا ضروريا تحققت شروطه لمجرد اقتضاء لحظة العولمة الحالية إياه بما جعلت الأمة التي لها مسؤولية الشهادة على العالمين صارت لحظة استئناف فعاليتها مطابقة الحدث التاريخي الكوني وللمبدأ القرآني. ومن ثم فشروط الانتقال من الواقع المثالي من حيث هو مجرد مثال جامد إليه من حيث مثال فاعل قد تحققت إذ أزف أوانها وهي مطلوب الاجتهاد النظري والجهاد العملي أعني تحقيق قيم الرسالة الخاتمة في التاريخ الفعلي وإن بالتدريج: ذلك هو الحلم الواقعي الوحيد للاستئناف التاريخي المؤصل في ما قبل التاريخ وما بعده.
والمعلوم أن ابن خلدون لم يكن يبحث في عمران بشري أو مجتمع إنساني بعينهما أي في واقع معين بل كان يبحث في الظاهرة العمرانية والاجتماعية بإطلاق من أجل نقل البشرية كلها من حيث هي المستعمر في الأرض والمستخلف عليها ليرعاها نقلها من الخضوع إلى قانون التاريخ الطبيعي (نظام العولمة المقصور على الأدوات دون الغايات وهو النظام الحاكم للتاريخ الإنساني منذ البداية كما تبين ذلك المقدمة) إلى الخضوع إلى قانون التاريخ الخلقي (نظام الأممية الإسلامية التي تريد للإنسان أن يتعارف أي أن يضيف إلى الأدوات الغايات فيتآنس لئلا يقتصر تاريخه على التنافس المذموم). ذلك هو الواقع الحقيقي ولا شيء سواه وذلك ما كان علينا بيانه C.Q.F.D. .
أبو يعرب المرزوقي
2007.07.14
…….

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى