أخبار سريعة
الرئيسية / أخبار سريعة / الاصلاح ماهكذا تورد الابل

الاصلاح ماهكذا تورد الابل

الجسر-ابويعرب المرزوقى28012016--1

 

 

المفكر التونسى البروفيسور أبو يعرب المرزوقي
الجسر-أبو يعرب المرزوقي-الاصلاح ماهكذا تورد الابل24112017--1الاصلاح
ماهكذا تورد الابل
ما يحيرني كثيرا يقبل الرد إلى قول النخب العربية بمبدأ الثالث المرفوع وبعدم التناقض في السياسة. وسأجمل ذلك في مجالين. أولهما داخلي: فليس لأن مراهق السعودية يسيء استعمال ضرورة التصدي لإيران بأفسد استراتيجية هي الارتجال وبدعوى الحلف مع إسرائيل نعتبر التصدي خطأ.
الخطأ ليس في ضرورة التصدي بل في الاستراتيجية وفي توهم الحلف مع إسرائيل ضروري في هذا التصدي ظنا أن إسرائيل عدوة إيران ومن ثم فهي صديقة للعرب. كلاهما عدو وهما بالأحرى يعملان على تقاسم أرض ليس لأهلها مشروع ولا نية التصدي الحقيقي الذي يمتنع من دونه وخاصة بسبب الحرب الاهلية العربية.
خطأ أصحاب شعارات التصدي لإيران الذي جعلهم يوقدون نار الحرب الأهلية هي أنهم فضلوا الحرب على من ثاروا على الاستبداد والفساد أعداء فقدموا خدمة مشروع إيراني في الغاية في تقديم الحرب عليهم بدل الحلف معهم وإجراء الإصلاحات الضرورية في بلدانهم.
خسروا الجبهتين المحلية في بلدانهم والإقليمية في بلاد العرب وتوهموا أن أمريكا وإسرائيل يمكن أن يقدما لهم المساعدة المرجوة بعد أن ادركوا ورطتهم: كانوا يعتقدون أن العقيدة السنية في بلادهم تضعف خطر التشيع فإذا هم بهذا الغباء قد يكتشفون مثل العراق أن الأغلبية شيعية ولو بكذبة أمريكية.
والدليل الثاني هو أن العرب يتصورون أن فساد الاستراتيجية السيسية في الإصلاح المحرر من الدولة الحاضنة ليس من الضرورات التي تجعل مصر تتعافى وتصبح قادرة على النمو المادي والعلمي. فهذه الهدف على فرض صدق السيسي وهو كاذب وخائن واجبة ولا تتحقق إلا في عقود لأنها تجذرت في مثلها أو أكثر.
إذن الإصلاحان الضرورية أولهما للحماية والثاني للرعاية يفسدهما من يستعملهما سياسويا عند مراهق السعودية ومهرج مصر تحولا إلى جوهر الفساد الذي سيقضي على آخر معقلين كان يمكن أن يكون هذا العمل شغلهما الشاغل منذ عقود حتى يخرجوا الامة مما يزيدانه بلة بغبائهما.
ولست أكتب لأثبت ذلك. فهذا بين بدليل أن وضع مصر ازداد سوءا في الرعاية ووضع السعودية ازداد سوءا في الحماية. فلا السيسي بقادر على اخراج مصر من التردي في الرعاية ولا الداشر بقادر على اخراج السعودية في الحماية بل كلاهما قد يجعل بلده مستعمرة إسرائيلية بدعوى ما يزعمانه.
ما يعنيني هو الانظمة التي تتصور التصدي لإيران خطا فتكاد تتحالف معها والأنظمة التي تتصور التصدي للدولة الحاضنة خطأ وتكاد تواصل الغرق في الدولة العاجزة عن الحضانة وعن البقاء من دونها فتصبح متسولة كما نرى ذلك في تونس وخاصة في ديماغوجيا الاحزاب اليسارية والقومية.
فالعدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق بالدولة الحاضنة بل بالشعب المسؤول عن شروط قيامه بالعلم والعمل والانتاجين المادي والرمزي. فأكثر من ثمانين في المائة من العمل الحالي في تونس مثلا هو بطالة متنكرة في عمل إداري سواء في الدولة أو في الشركات التابعة لها أو مؤسسات الضمان الاجتماعي.
وهذا ليس عملا. فإذا أضفنا أن أكثر من نصف موظفي التربية لا فائدة منهم وأن وجودهم علته الحشو الزائد عن اللازم في برامج التعليم فهمنا أن تردي التعليم وعدم فائدته في الانتاجين الاقتصادي والعلمي لأنه محو أمية وليس تعليما تبين لنا أن السياسة العقيمة علتها العقم الفكري والاستراتيجي.
ولأعد إلى الداءين الداخلي (عجز الرعاية) والخارجي (عجز الحماية) هما أكبر أدواء الامة وعلته العميقة هي الحجم الذي جعل ما يسمى دولا عربية مجرد محميات لا سيادة لها يعدان من أولى الأوليات في تحقيق شروط الاستئناف بالنسبة إلى الأمة.
وكل من يعارض التصدي لإيران بكل الوسائل دون اللجوء إلى وهم الاحتماء بإسرائيل لتشاركهما في مسألة استعادة امبراطورية شرطها محو دور سنة الاقليم إما خائن أو جاهل بالرهانات الاستراتيجية التي هي لب الوضعية الحالية والتي أوهنت كل قوى الأمة الاقتصادية والروحية: فصارت عالة.
وليكن مثالنا اليمن ولبنان. فما عملته السعودية فيهما مع ضرورته دون شك لو كانت على أسس استراتيجية بعيدة المدى وليست فزات ارتجالية لمراهق. والحسم كان ممكنا لو أن الخليج لم يرتكب الخطأ القاتل فأدخل الأمة في حرب اهلية بين الثورة والثورة المضادة. أعداؤهم في اليمن هم من مكنهم ضد الثورة.
واصدقاؤهم في الهلال وخاصة في لبنان هم من أوهنهم فجعلهم عبيد “الرفاهية” السافلة حولوهم بها إلى عيال لخدمة الامراء بدلا من أن يكونوا رجالا قادرين على التصدي بأنفسهم لحزب الله الذي افتك منهم المقاومة أولا ثم احتلهم وهم لا دور لهم إلا التغطية على جرائمه بدولة شكلية لا تقدر على شيء.
وبتقويتهم لأعدائهم وإضعافهم لأصدقائهم بلغوا غاية السفاهة والبلاهة فصاروا في الحقيقة يمهدون الأرض لكل انتصارات إيران وحتى هروبهم لإسرائيل هو انتصار إيراني لأنه سيجعل الشعوب تصدق أن إيران عدوة إسرائيل وأنها هي التي تقاوم دفاعا عن المستضعفين.
فيكون بذلك هزموا في الحربين الفعلية والمعنوية وصاروا خدما لإيران وإسرائيل ما يعني أن ذلك مؤذن بسقوط محمياتهم التي يتوهمون أنها دول خاصة -كما قال أفلاطون-أنها بداية السقوط تنزل من القمة إلى القاعدة مثل السمك يفسد من رأسه قبل بقية بدنه.
حتى صار عون الذي يتوهم أنه دوجول لبنان يتفرسن على السعودية باسم السيادة الوطنية وهو يعلم أن هذه السيادة معدومة لأن لبنان مجرد قاعدة لولاية الفقيه التي اشترته بحلم رئاسة لبنان بعد أن أفقدت السعودية سنة لبنان أدنى وزن في معادلة دور الشعوب مثلما فعلوا بشعبهم.
ولا أدل على ما أقول أن دولة غنية مثل السعودية ولها أمضى الاسلحة تصبح في موقع دفاع إزاء حثالة من الحوثيين الحفاة العراة وبلاهة صالح. فالحروب لا يكفي فيها السلاح بل لا بد من الرجال وخاصة من الفكر الاستراتيجي الذي يهمل أدنى شروط الفلاح دون نباح.
لما سمعت من يدعون دورا في الاستراتيجية يتكلمون بجهل تام بأرض المعركة وطبيعة الحرب وشروط إدارتها في نظام المناورات الدولية فهمت أن السعودية هي التي ستركز حزب الله الثاني في اليمن على حدودها. وكم نصحتهم لكن ظلوا يفضلون خنق الاخوان في اليمن على حسم المعركة في مركز المقاومة السنية.
إلى أن تبين أنهم كانوا لعبة بيد عميل إيران الذي يبالغ في عدائها بالأقوال وهو الذي مولها ضد الحصار بالأفعال لعقود حتى يغرقهم في الاوحال اليمنية ويستنزفهم ويوهم المراهق أن تحديث الدول عملية سهلة يكفي أن يطبق فيها سخافات العتيبة حول العلمانية.
فلا ينبغي أن تكون الشماتة في السعودية من قبل بعض الدول العربية ونخبها انحيازا لإيران وأن تتخفى بظاهر من العداء للتطبيع: فلا توجد دولة عربية غير مطبعة إلى الأذقان بما فيها سوريا وحزب الله الاحزاب الإسلامية وحتى داعش. كلهم مطبعون بشكل أو بآخر. وما يدعونه من عداء للاستهلاك المحلي.
ومهما كان مراهق السعودية متهورا فإن الإبقاء على صلف إيران قد يأتي على كل الانظمة العربية وهو قد بدأ خاصة بمن احتموا به أي العراق وسوريا ولبنان واليمن. فكلها خربت بسبب الاحتماء بإيران. فإيران لم تأت لتحميهم بل لتنهيهم بدعوى محاربة الإرهاب الذي هو من أدوات استراتيجيتها.
ورغم أني لا أريد أن اجازف فإني شبه متأكد من أن كل المحميات الخليجية وحتى المغربية محميات يتناصف السلطان عليها إيران وإسرائيل. ولا استثني احدا. وما أنا أكثر منه تأكدا أن كل الاحزاب في تونس مخترقة إيرانيا وإسرائيليا مع الاختراق الفرنسي والأمريكي.
كما أن كراهية السيسي وعمالته لإسرائيل لا يمنع من فهم أنه يفسد الطريق إلى الإصلاح الذي يوهم بأنه يتوخاه بل ينبغي بيان أن الحل في توخيه بخطة طويلة الامد لأنه بهذه الطريقة لا يريد به الإصلاح بل تسهيل الاستسلام للتبعية المطلقة بمنطق جوع كلبك يتبعك.
هذا في الداخل أما في الخارج فالنصائح التي يقدمها الأعداء فيها الكثير مما ينبغي أن نحققه فعلا وليس كما يريدون استعماله طعما لفرض بدائل زائفة منه. مثال ذلك اصلاح فكرنا الديني وتربيتنا وأنظمة الحكم وأخلاقنا الجاهلية بإصلاح حقيقي لا كاريكاتوري من جنس نكبة الليبراليين والعلمانيين العرب.
رفض نصائح العدو بقاعدة لا يمكن للعدو أن ينصحنا صادقا لا يكون برفض الإصلاح بل تحقيقه بشروطه وعلى حقيقته وقلب الخداع عليه بجعله يتوهم أننا انخدعنا بقوله فلا نميز بين ما ينبغي فعله لغاياتنا مع إيهامه بأننا لسنا واعين بخداعه: ينبغي أن نجعل الخادع مخدوعا بدهاء ابعد غورا من دهائه.
….

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى