أخبار سريعة
الرئيسية / أخبار سريعة / تأمل عميق لإشكالية الحياة من منظور إمرأة بريطانية.(رحلتى من الكنيسة إلى المسجد،لماذا ؟)

تأمل عميق لإشكالية الحياة من منظور إمرأة بريطانية.(رحلتى من الكنيسة إلى المسجد،لماذا ؟)

الجسر-شيخ عبد الرحمن بشير-حين يكون الحجر إرهاباً ، والقلم عنفاً10122017--3

 

 

شيخ عبد الرحمن بشير
الجسر-شيخ عبد الرحمن بشير- رحلتى من الكنيسة إلى المسجد ، لماذا ؟ 11012018--1تأمل عميق لإشكالية الحياة من منظور إمرأة بريطانية .
( رحلتى من الكنيسة إلى المسجد ، لماذا ؟ )
كنت مهموما لظاهرة الخروج من الإسلام إلى المسيحية فى القرن الأفريقي ، وهي ظاهرة بينة ، ويجب أن نقف إزاءها بشكل قوي ، وبشفافية واضحة ، نسأل لماذا ، وكيف ؟ ومن وراء ذلك ؟
كيف يخرج الشباب المسلم من دين الفطرة والعقل والمنطق إلى دين يتساءل أهله ، هل ما زال فيه منطق وعقل وفطرة ؟ ما هي المبررات التى تجعل بعض الشباب المتعلم يعلن خروجه من الدين ، وإلتحاقه بالمسيحية ؟ هل وجد ضالته فى المسيحية ؟
لاحظت فى صفوف بعض الشباب المتدين سابقا خروجا من الدين ، وإعلانا له بالإلحاد كظاهرة فى الوسط الإسلامي ، فكتب الباحث فى العلوم السياسية الدكتور عصام عبد الشافى عن ظاهرة الردة الجديدة فى العالم الإسلامي ، فذكر بأنها محصورة فى الردة عن الوطن ، والبحث عن أوطان جديدة ، والرِّدة عن القيم ، والبحث عن مرجعيات جديدة لقيم حديدة ، والرِّدة عن الدين ، والبحث عن مرجعية اخرى ، قد تكون العلمانية إحدى الخيارات ، والرِّدة عن التنظيمات والأحزاب ، والبحث عن محاضن أخرى ، أو الكفر من عالم التنظيم .
فى متابعتى لهذه الظاهرة الجديدة ، والمفهومة من جانب ، ولكنها غامضة من جانب آخر ، فقد نفهم بأن السبب الرئيسي لهذه الردة وأنواعها مرجعه هو غياب الخطاب الديني العلمي ، والإيماني ، فهناك ظاهرة لخطاب ديني عاطفي ، غير مبني على أسس فكرية متينة ، ويحاول إقناع النخبة بحتمية الدين للحياة ، فهذا النوع من الخطاب الذى يتسم بالقانونية الصارمة ، والإستعلاء من حيث الطرح المنهجي لا يؤدى بحال من الأحوال إلى جذب العقول المتشككة فى عالمنا المعاصر ، ولكن الغامض هو أن بعض الشباب خرج من الدين الإسلامي ، والتحق إلى دين آخر ، لا يملك حجة أقوى من حجة الإسلام ، فهنا تكمن الغموض .
لقد كنت مهموما فى هذا الظاهرة ، بل واستمعت لبعض الإخوة من الصوماليين الذين خرجوا من دين الإسلام ، والتحقوا بالمسيحية ، وأصبحوا دعاة لها ، ولست بصدد الرد عليهم فى مقالة هذا ، ولكنى أتأمل فى الظاهرة نشأة ، وإستمرارا ، ومآلا لأجل ان نفهم مكمن الخطورة فى المسألة ، ولكن بعض الإخوة من الدعاة لا يمنحمون المسألة وقتا كافيا لها ، فلا تستحق الرد على هؤلاء الضحايا ، ولكن الأمر يتطلب قراءة أعمق ، وطرح تساؤلات من شأنها إستفزاز العقل المسلم من جديد .
لقد بدأت أقرأ الكتاب العزيز من جديد ، ولكنى حاولت مع ذلك أن أقرأ كتبا من الذين تحولوا من المسيحية إلى الإسلام ، أو من العلمانية إلى الإسلام ، فوجدت أن أغلب الذين أسلموا من فريقين ، من علماء وفلاسفة وباحثين لهم صولات وجولات فى العلم والفلسفة والبحوث ، وهم من الذين نستطيع أن نصنفهم بالعلماء المتميزين ، ومن هؤلاء السيد جارودي الذى أسلم بعد بحث طويل فى المجالات الفلسفية ، وانتهى به المطاف إلى باحة الإسلام إستسلاما وخضوعا لله تبارك وتعالى ، وموريس بوكاي العالم الجراح الذى تحول الى الإسلام عن طريق البحث العلمي فى أصول البشر ، وفى المسألة الفرعونية ، وخاصة فى فرعون موسى عليه السلام ، وعرف عن طريق البحث بأن القرآن كلمة الله ، والقائمة تطول فى الولايات المتحدة ، وفى بريطانيا ، وإيطاليا ، والنمسا ، وروسيا ، فهناك رجال عظام أعلنوا بلا مواربة بأن الإسلام كلمة الله الخالدة .
لدينا فريق آخر ، تكون نهايته الإسلام ، ولكن هذا الفريق من الشباب التائه ، ومن العقول الجديدة ، ومن الذين يرفضون الحضارة الغربية ، فيبحثون عن معنى الحياة ، ومغزاها ، فلا يجدون الجواب من رجال الكنيسة ، ومن أولياء الأمور الذين لا يملكون إجابات قاطعة عن التساؤلات النهائية .
الجسر-شيخ عبد الرحمن بشير- رحلتى من الكنيسة إلى المسجد ، لماذا ؟ 11012018--2قدر الله قريبا أن أَجِد رسالة صغيرة كتبتها السيدة مارى ويلدز ، وهي بريطانية من أسرة كاثوليكية بعنوان ( رحلتى من الكنيسة إلى المسجد ، لماذا ؟
تحدثت الكاتبة عن الصدمات الحضارية التى عاشتها الفتاة ، ولَم تجد لها جوابا من الشارع البريطاني ، ومن أهلها ، ومن المدرسة الدينية التى إنتسبتها بحكم تدين عائلتها ، فكانت الصدمة الأولى عن الموت حيث فقدت جدتها التى كانت تحبها بعمق ، وفى اللحظة ذاتها فقدت قطتها التى رعتها وأحبتها ، كما رأت زهرة من النافذة بدأت تذبل ، فتموت ، ومن هنا إستيقظ العملاق ( الإنسان الجواني ) من الداخل ، وتساءلت ، لم الموت ؟ ولماذا فقدت جدتى التى أحببتها دون العالمين ؟ ولماذا تركتنى القطة الأليفة ؟
تساءلت تلك الأسئلة البسيطة فى مفرداتها ، والعميقة فى محتواها ، وهي فى مقتبل العمر ، ولَم تتجاوز بعد الثالثة عشر من عمرها ، ولَم تحصل الأجوبة المقنعة من رجال الدين ، ومن الوالدين ، ومن المجتمع ، فذهبت حينها ، وهي صغيرة إلى المكتبات باحثة عن الأجوبة فى هذا الوقت المبكر من حياتها .
زارت الكنائس ، وأديرة رجال الدين ، وحاورت اللاهوتيين ، وناقشت رجال التصوف من البوذيين وغيرهم ، وكانت تسأل هذه الأسئلة للجميع ، ولكنها لم تكن مقتنعة بالأجوبة المختلفة ، ومن لطف الله تبارك وتعالى ، ذهبت السيدة إلى المسجد يوما ، ولكن المسجد لم يكن مسجدا بالمعنى الديني فى الإسلام ، بل كان مركزا لحركة القاديانية ، فسألت السؤال ، وطلبت منهم مرجعا تقرأها ، فأعطى هؤلاء المصحف الشريف ، فذهبت إلى البيت ، وفتحت المصحف ، فكانت المعجزة ، فجاء الجواب من القرآن ، فانبهرت به ( تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شيئ قدير . الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ، وهو العزيز الغفور ) .
علمية ، وفى الآيتين حديث عن الله القادر ، والقاهر ، والعزيز ، والغفور ، وهي كلها صفات تدل على العظمة والحبروت ، ولكنها أيضا لا تبتعد عن الرحمة والإحسان .
إن هذا الإله المتصف بهذه الصفات ، وهي صفات كمال وجلال وجمال ، أراد إرادة كونية خلق الموت والحياة ، ولكن هذا النوع من الخلق ليس عبثيا ، وإنما له حكمة تتجلى فى الآيتين ، وهو أن الحياة مجال للإبتلاء ، وليست الحياة مكانا وحيدا لها ، فهناك مرحلة أخرى تأتى بعد هذه الرحلة .
فى هذه اللحظة سكت العقل ، وسكن الروح لتلك الصغيرة ، ولكن أسئلتها العميقة لم تنته بعد ، فلديها أسئلة الإنسان المعاصر ، عن المبدأ ، والمصير ، وعن الإنسان والكون ، وعن الحياة والموت ، وعن الرجل والمرأة ، وعن القيم والحداثة ، وعن اللحظة والمآل .
لديها أسئلة عميقة عمق الإنسان ، وبرئية براءة الإنسان الصغير ، ومركبة ، لأنها تنتج من ثقافة تركيبية فى الغرب ، فلا تنتظر جوابا فيه القطع والفتوى ، ولكنها تنتظر إجابة تقنع العقل ، وتسكن الروح ، وتسكب على النفس طمأنينة وسكينة ، فقد إزدادت بحثا وتجوالا ، ولكن الله وفقها أن وجدت ( رسائل النور ) للعلامة ، والفيلسوف المؤمن ، والزاهد النقي الشيخ سعيد النورسي رحمه الله ، فقرأت بعمق ، وجلست أمام المِحْراب النورسي طالبة للحق ، فاهتدت به ، وأسلمت بسبب قراءتها لهذه الرسائل الفريدة .
طرحت السيدة بهذا العمر المبكر أسئلة غير عادية ، ولكنها وجدت من رسائل النور أجوبة غير عادية ، ففرحت بها أيما فرح ، طرحت السؤال الأعمق ، لماذا وجدت هذه الأشياء ؟ ولماذا تنمو وتعيش ثم تموت ؟ ما الكون ؟ ما الطبيعة ؟ من نحن ؟ لماذا هذه الأعداد الغفيرة من المخلوقات ؟ ما وظائفها ؟ ولماذا وجدت ؟ وإلى أين المصير ؟
فى هذا الكتاب الفذ ، وهو قليل الصفحات ، يمكن أن تقرأه فى ثلاثين دقيقة ، لأنه لا يتجاوز ( ٦١ ) صفحة من القطع المتوسط ، ولكنه دسم الأفكار ، قوي الحجة ، متسلسل فى طرح الأفكار ، وتتحدث فيها السيدة الكريمة سبب إسلامها ، وتركها عن الدين القديم ، ولماذا وجدت ضالتها فى الدين الإسلامي ، وتنتقد بشكل علمي الحضارة الغربية التى حاولت أن تشيئ الإنسان ، وتجعله سلعة فى السوق ، كما تنتقد الديانة المسيحية التى فقدت المنطق والعقلانية ، وتناولت بشكل خاص الفلسفة والدين والعلم ، ووجدت الجواب من رسائل النور للباحث عن الحقيقة السيد سعيد النورسي رحمه الله .
فى الكتاب حديث جميل عن مسار الدين والنبوة ، وعن مسار الفلسفة والعلم ، وترى السيدة الفاضلة بأن الخير هو الجمع بين الدين والفلسفة ، ولكن الدين بلا فلسفة رحمة بلا منطق ، وفلسفة بلا دين عقل بلا قلب ، ومن هنا وجدت فى رسائل النور منحا ربانية تتنزل عليها بلا حدود .
لقد هزنى الكتاب هزا ، واستفز عقلى إستفزازا ، وترك فى داخلى نورا مبينا ، فتساءلت المرأة عن عمق الحضارة الغربية ، وهي إبنة لها ، فوجدت أنها تأسست على أمور خمسة ، على القوة ، وهي نقطة إرتكازها ، وشأنها التجاوز ، والهدف ، وشأنها المنفعة والتزاحم ، ودستورها فى الحياة الجدال والصراع ، وهذا شأنه التنازع ، والرابطة التى تربط المجتمعات البشرية هي العنصرية ،
شأنها التصادم ، وأخيرا وجدت أنها تشجع هوى المنفعة ، وإثارة الشهوة ، وتلك شأنها مسخ الإنسان معنويا .
بقيت تلك الأفكار من تلك السيدة تعمل عملها فى عقلى ، فتذكرت كل الكتب التى تناولت المشاريع الغربية الكبرى من عصر النهضة حتى عصر أمريكا ، فكل الأفكار لهذه الكتب تدور حول هذه المفاهيم ، يا لعظمة العقل حين يبحث عن الحقيقة فى الركام !
فى الكتاب حديث عميق عن الإسلام فى الغرب ، وأن الغربيين يريدون فهم الإسلام كما يريدون ، وليس كما هو ، ومن قدمت السيدة فصلا فى الكتاب ، كيف نقدم الإسلام إلى الغرب ؟ وتناولت بعمق أن الغربي يريد من الإسلام علاجا لأمراضه الروحية ، وتساؤلاته العدمية ، فلا ينتظر الغرب من الإسلام ثورة قانونية ، وفى الإسلام إجابة منطقية للسؤال المنطقي فى الغرب ، نحن والكون ؟ أية علاقة ؟
لم تترك السيدة فى كتابها الفراغ عن المرأة ، فتناولت المرأة فى المنظور الغربي ، وفى المنظور القرآني ، وتناولت مسألة الستر ، وليس الحجاب ، والعري فى الغرب والإسلام بلغة فكرية متطورة .
وأخيرا ، إننى وجدت فى الغرب الظمأ الروحي العميق ، والقلق الفكري الكبير ، وينتشر فى الغرب ظاهرة التساؤلات العدمية ، ولهذا فالغرب بحاجة إلى مشروع من نوع آخر ، فهذا المشروع موجود بقوة فى منهج الإمام سعيد النورسي رحمه الله ، وفى منهج الإمام المجدد عبد السلام ياسين المغربي .
إن تجديد الإيمان ضرورة فى هذا الزمن ، وهو زمن تعملق فيه الإنسان ، وأصبح يوازى الله تبارك وتعالى ، ولكنه وجد نفسه فى التيه ، لا يكون تجديد الإيمان فى هذه المرحلة التى تعيش البشرية كلها فى غربة نوعية من شأنها ، الخروج من الإنسانية ، والذهاب إلى الحيوانية بشروط الإنسانية ، أي أن البعض من الناس يختار الحيوانية ، ولا يذهب إليها إكراها ، هذا هو الظاهر ، ولكن فى العمق ، قد نجد مشاريع فكرية من شأنها حيوية الإنسان .
فى الكتاب العزيز آية ( فأقم وجهك للدين حنيفا ، فطرت الله التى فطر الناس عليها ، ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ، وهي من معجزات الكتاب العزيز حيث تؤكد الآية إنسانية الإنسان ، وأن هذا الإنتماء الإنساني من الفطرة ، وأن تلك الفطرة هي الدين ، ويعنى ذلك أن كل مبدأ يخالف الفطرة فليس دينا قيما ، وكل دين يخالف الفطرة البشرية السليمة ، فليس مبدأ سليما من شأنه أن يعطي الإجابة المقنعة ، ذلك الدين القيم ، والمرجعية يجب أن تكون مستعلية على البشر ، فالبشر ليس من إختصاصاتهم صناعة القيم ، ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .
إن الوصول إلى الله صعب ، ولكنه يحتاج إلى مجاهدة ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) ، وليس من الممكن أن نسأل الله الهداية ، ثم نجلس فى بيوتنا ننتظر أن تتنزل الهداية على قلوبنا بدون حركة ، فالحركة الأولى من البشر ، والحركة الثانية من الله العلي العليم الرحيم .
خرجت السيدة من ظلمات الحيرة على تساؤلات طرحتها على نفسها ، ولَم تتوقف عن الحركة ، بل سارت كل طريق ، وذهبت إلى كل مذهب ، فكان الله فى عونها ، لأنه علم الصدق من قلبها ( وإن الله لمع المحسنين ) .
….

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى