أخبار سريعة
الرئيسية / أخبار سريعة / فى الفقه المدخلي ، الحقوق بلا ميزان

فى الفقه المدخلي ، الحقوق بلا ميزان

الجسر-شيخ عبد الرحمن بشير-حين يكون الحجر إرهاباً ، والقلم عنفاً10122017--3

 

 

شيخ عبد الرحمن بشير .
الجسر-شيخ عبد الرحمن بشير-فى الفقه المدخلي ، الحقوق بلا ميزان 12012018--1فى الفقه المدخلي ، الحقوق بلا ميزان .
نجحت الإستخبارات السعودية ، والمصرية إختراق العقل الدعوي فى بداية الثمانينيّات من القرن العشرين ، وأوجدوا مناخا دعويا مناهضا للتيار الذى بدأ يشق طريقه من جديد ، وهو الذى يدعو إلى إيجاد دول شرعية ، والدولة الشرعية فى فقه الصحوة الإسلامية هي التى تحكم بالكتاب والسنة ، وتحتكم إلى الشارع ، فالإنتخابات الديمقراطية ليست مناهضة للشرعية ، بل هي من الشرعية ، فالحاكم يجب أن يكون مسنودا من الشعب ، ولا يمكن أن يأتي إلى الحكم ، وهو مسنود من الشعب إلا عن طريق التراضي ، ولا يمكن معرفة رضا الشعب إلا من خلال انتخابات نزيهة ومستقلة .
فى هذه اللحظة التى شق هذا الفقه طريقه ، عرفت الإستخبارات المصرية التى تعمل فى الدولة الفرعونية التى حكمت قبضتها فى القرار المصري من زمن الإنقلاب ، والسلطة السعودية التى أعادت إلى الحياة روح السلطة الأموية بلغة العصر بأن ثمة خطورة يحمل هذا التيار فى طياته ، وهو يسعى من خلال هذا الخطاب المستمد من الوحي ، ومن حكمة الأمم المتحضرة بأن زمن وجودهم سوف ينتهى ، وأن الأمة سوف تستعيد شرعيتها بلا حروب ، ومن هنا عملت الإستخبارات صناعة التدين المغشوش كما ذكر فى وقت مبكّر الأستاذ الغزالي رحمه الله فى كتبه ، وأعلن الحرب على هذا التيار واعوانه ، ومن وراءه بقوة ، ولكن أغلب الدعاة لم يكونوا على حذر من هذا التيار المزروع فى داخل الصحوة ، ليصنع الغفوة من جديد .
تشابهت الأيام ، واختلطت الأوراق على البعض ، فقامت دولة الإمارات العربية المتحدة فى صناعة واجهتها الدعوية التى تقوم هي الأخرى فى خلط الأوراق على التيار المقاوم ، والمناهض للإستبداد السياسي ، والإستغفال الدعوي ، والإستغلال الخارجي ، فكانت الحركة الصوفية التى تقودها مؤسسة (طابة) ، وبزعامة الجفري اليمني .
إنبثقت هذه الحركة الجديدة من رحم الربيع العربي ، ومن خلال الزخم الفكري والعقدي الذى يتساءل عن شرعية الحاكم فى العالم العربي والإسلامي ، فانسحب كثير من هؤلاء عن التيار الإسلامي العام ليكونوا جزءا من المشروع المناهض للدعوة إلى الى الشرعية الشعبية .
إن القاسم المشترك ما بين السلفية المدخلية السعودية ، والصوفية الإماراتية ، أنهما من صناعة الإستخبارات المحلية والإقليمية ، ذلك لأن رجال المخابرات يعرفون جيدا بأن مقاومة الفكر الديني السليم لا يكون ناجحا إلا من خلال تشويش الفكر الديني ، ومن هنا أخذوا مشروع اليهود فى مواجهة المشروع المحمدي ( آمنوا وجه النهار ، واكفروا آخره ، لعلهم يرجعون ) .
لقد تم إختراق الصف الدعوي ، ونجحوا مرحليا فى إصطياد بعض الواجهات الدينية التى كانت مقبولة فى زمن ما عند الشارع المسلم ، ولكنها فقدت القبول فى لحظة إنهيارها ، ودخولها فى الصفقات التى تمت فى الليالى الظلماء فى مكاتب المخابرات ، وألهم الله سبحانه وتعالى الشعوب حاسة خطيرة فى معرفة المنافقين ، وفى رفض المشاريع التى تصنع وراء الأستار فى حين غفلة من الناس .
هناك قاسم مشترك آخر بين التيار الصوفي الإماراتي ( مشروع طابة ) ، والتيار السلفي السعودي ( المداخلة ) ، وهو مواجهة الشرعية الشعبية ، وترسيخ شرعية حاكم التغلب بدون فقه سياسي واع وناضج ، ولكن العجيب هو أن الجماعة ( المدخلية السلفية ، ومجموعة طابة الصوفية ) لا تعي مدى التغيير السياسي الذى جرى فى العالم من صناعة شرعية جديدة ، ولكنها لحسن الحظ تتناسب فقها وتنزيلا مع الفهم الأول للصحابة فى النصوص رضي الله عنهم .
لدى هاتين الفئتين خصومة عقدية ، ولكن لديهم عدو مشترك ، وهو ( الحرية، والشرعية ) ذلك لأن الحرية سوف تجعل مشروعهم الديني بلا قواعد ، فهم يستغلون الفراغ الديني الموجود فى الشارع ، فالحركة السلفية المدخلية تحمل فقها سياسيا تجاوزتها الظروف العالمية ، بينما تحمل الحركة الصوفية الحديثة فهوما لا تتسق مع العقل الحديث ، ولأجل أن تبقى لهم الهيمنة على العقول الصغيرة ، والنفوس الضعيفة ، يدخلون تحالفات مع الإستبداد فى العالم العربي والإسلامي .
تحاول المدرستان بث ثقافة غير موزونة حيث تتحدثان بقوة عن حقوق الحاكم ، وهي عندهم حقوق مطلقة ، وليست لهما حديث مذكور عن حقوق الشعب ، فهو عندهم من ممتلكات الحاكم ، فما زال الفقه السياسي الذى تجاوزته البشرية مسطورا فى كتبهم بلا خجل .
لقد إستمعت قريبا للدكتور على جمعة ، الفقيه الأزهري ، والعالم الأصولي ، وهو ينحدر نحو السذاجة العلمية بشكل لا تليق بمكانته العلمية ، وموقعه الفقهي بحيث ذكر بأن الخوراج من قطر ، لأن إسم إمام الخوراج كان يدعى ( قطري بن الفجاءة ) ، ومن هنا جاء إسم قطر ، وأن ( الملهب بن صفرة ) الذى قاتل الخوراج من الإمارات ، ثم قال بشكل مضحك : حاجة غريبة كأنها جينات تتوارث ) .
هكذا يتنازل بلا مبرر فقهي ، ويقول ما لا يستقيم مع المنهجية العلمية التى تعلمناه من فضيلته منذ أن قرأنا له كتبه العلمية الرصينة ، ولكن لأسباب نفسية ، وتحالفات مع السلطات فى قهر التيار المقاوم ، تنازل عن كل القيم ليقول هذا الكلام غير الموزون ، والذى يعرف عوراته كل طالب علم مبتدئ ، وفى لحظة أخرى ، وفى دروسه العلمية فى الأزهر ، ذكر الحديث ( إسمع وأطع ، ولو جلد ظهرك ، وأكل مالك ) ، ثم قال ، هو ظلم ، ولكن لا بد من قبول هذا الظلم .
إن العالم الفقيه لا يفكر بمثل هذه العقلية التبسيطية ، ولكنه يفكر بعقل مركب ، وخاصة حين يكون العالم فقيها وأصوليا فى آن واحد مثل الدكتور على جمعة ، كيف يقبل الفكر الفقهي الظلم ، وقد جاءت الشريعة إلى إزالته عن الوجود ، أو تقليله ، ( إن الله حرم الظلم على نفسه ، فلا تظالموا ) ، فالظلم ظلمات يوم القيامة ، ومن أخطر الظلم الاعتداء على النفوس والأموال والأعراض ، وجاءت الشريعة الإسلامية إلى حفظ المقاصد العامة ، والخاصة ، ومنها حفظ النفوس والعقول والأديان والأموال والأعراض .
ربما ، يرى العالم الديني ظلما سياسيا ، ولكنه يرى بأن لحظة تغييره لم تأت بعد ، ومن هنا يفتى العالم بأن هذا الظلم يجب قبوله ، ولكن مع تعريف خطورته ، وأنه يجب قبوله إضطرار ورخصة ، وليس عن عزيمة ، ومن هنا يكون لهذا الرأي من الفقيه قبولا مبدئيا ، ولكن تسويغ الظلم كسياسة عامة ، وتجاوز الشعب كمنهجية متبعة لأجل إستدامة النظم الإستبدادية ، فما ذاك من مواصفات الفقيه ، والعالم الأصولي .
يذكر المفكر الكويتي الدكتور حاكم المطيري خطورة الإستبداد فى كتابه ( نهاية الإستبداد ) فيقول : ولعل أشد ما فى الطغيان والإستبداد خطورة ، قدرته على توظيف الدين والسحر ، والعلم والفكر ، والثقافة والشعر ، وكل ما يستطيع توظيفه لفرض رؤاه ، وتحسين قبحه. وتبرير إجرامه ، وترسيخ دعواه ، حتى يغذو الطاغوت عظيما فى نفوس قتلاه ، كريما فى عيون ضحاياه .
إن علماء المداخلة يحاربون بقوة فقه الخلافة ، وهي تعنى فى الفقه السياسي ، الحكم على الأمة من خلال شرعية مكتوبة ، ولهذا فهم يكررون فقه المرحلة ما بعد الخلافة الراشدة ، وهي المرحلة التى قرر بعض الفقهاء قبول السلطة الواقعية مرحليا ، ذلك لأنهم خافوا من فقدان الوجود الشرعي للأمة ، ولكن اليوم هنام ألف تجربة فى عدم قبول السلطة الواقعية ، وإتيان البديل عنها ، وقد نجحت الأمم كلها فى ذلك ، فهل الأمة المسلمة بدعة بين الأمم ؟
لقد تابعت مسار هذه الحركة المصنوعة فى الدوائر الإستخباراتية السعودية ، ولكن من خلال الأموال تدفقت هذه الحركة فى كل الأوطان التى عاشت فى عقود تحت الإستبداد ، فوجدتها فى تونس تنافح عن بن علي ، كما وجدتها فى ليبيا تنافح عن القذافى ، والغريب أن فكرها موجود بلا مبرر فى الصومال ، وفى جيبوتى ، ولهم حديث واحد لا شريك له ، وهو أن البيعة للحاكم ، وبحب طاعته ، ولكن لا بيعة فى الصومال ، وفى جيبوتى ، وفى تونس وليبيا ، بل فى هذه البلدان تجارب موصوفة عند هذه الجماعة بأنها بدعة ، وهو الإنتخابات فى صورتيها الشكلية والحقيقية .
لكل مرحلة رجل ، ولكل رجل ورقة ، ولكن لدينا فى بلادنا من لا ورقة بيده ، ولا يدرى الصراع السياسي شيئا ، فهو مدفوع من الوراء ، لأنه رفض إستخدام عقله ، فقبل التدين المغشوش ، أو التدين المسيس من قبل المخابرات السعودية .
لقد أوجدوا لحظة من اللحظات الفقه التبريري للحاكم ، واليوم يحاولون خلق فقه تبريري آخر ، وهو أن السلام والأمن هو الأهم من الدفاع عن الحقوق المكتسبة شرعا وقانونا ، وتتحول البشرية إلى حيوانات أليفة ، يعمل الحاكم وحده دون غيره لإطعامها ، وهو المؤهل دون سواه فى فهم العلاقات الدولية كما قال المفتى العام للسعودية ، وليس للعلماء والمثقفين التدخل فى هذه الجوانب السيادية .
لقد كتب صحفي عن ترامب ، وأعلن فى كتابه أن الرجل لا يستحق قيادة أمريكا ، ولكن الصحفي ما زال يأكل ويشرب بحرية فى مطاعم أمريكا ، وسكت المفكر الكبير عن أزمة الخليج الدكتور سلمان العودة فتم سجنه ، والسبب هو أنه سكت ، ولَم يتكلم ، فالسكوت هنا كلام غير شرعي ، والكلام هناك فى المجال العام من الصحفيين مشروع .
من يطبق قوله تعالى ( ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ) ؟ السعوديون أم الغربيون ؟
من يطبق قوله عليه الصلاة والسلام ( ورجل قام إلى ذي سلطان فأمره ونهاه فقتله ) ؟ المسلمون ام الغربيون ؟
من يطبق قوله عليه السلام ( وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ) ؟
لا يوجد سجين سياسي واحد فى كندا ، كما أنه لا بوجد سجين سياسي واحد فى الدول الإسكندينافية ، والسبب هو أن الأمر ليس خالصا لجماعة سياسية ، ولا لفريق فكري ، ولا لأسرة خالصة ، فالأمر جميعا للجميع ، وهذا هو منطق القرآن ( وأمرهم شورى بينهم ) ، ( وشاورهم فى الأمر ) .
لقد تأمل المفكر الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي هاتين المفردتين من القرآن ، ووجد فيهما أن المشروع الجمهوري ، والديمقراطي واضح فيهما ، ولكن المشكلة ليست فى وضوح الأمر ، وإنما هو فى غياب الوعي السياسي لدى السذج من الحركات الدينية .
فى المفردتين كلمة الأمر ، وهو ما بتعلق بوجود الأمة ، واستمرارها ، والبقاء على الخريطة ، فهذا الأمر يتطلب إلى إعمال الشورى ، والشورى عملية عامة ، وليست عملية خاصة ، وبعض الكتاب من المسلمين يخلطون بين الشورى والإشتشارة ، فالأولى واجبة على الحاكم كما قال القرطبي ، وهي من عزائم الدين ، ومن تركها يعزل ، والثانية مستحبة ، كما أن الأولى للأمة جميعا ، لأن الله قال ( وأمرهم ) والثانية للمتخصصين ، وهي خاصة .
يحارب بعض العلماء الدعوة إلى تطبيق الجزء الأول من الآية ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة ) ، كما يحاولون أيضا فى الآونة الأخيرة تطبيق الجزء الأخير من الآية ( وَمِمَّا رزقناهم ينفقون ) ، ولكنهم يرفضون لأسباب سياسية تطبيق الجزء المتعلق بالوجود السياسي ( وأمرهم شورى بينهم ) .
إن هذه السياسة الإنتقائية للنصوص موروثة من السلف اليهودي ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض الكتاب ) ، وهي قراءة تجزيئية للنصوص ، وتؤدى إلى تشويه المشروع الحضاري للوحي ، وهذا هو الدور الذى تلعب به الحركات الجامية والمدخلية من السلفية ، وحركة ( طابة ) من الصوفية الجديدة .
لا حل لمشكلات هذه الأمة إلا من خلال تنقية الشوائب من الثقافة المغشوشة فى الفكر الديني ، ومن أخطرها ، تلك التى أوجدتها المخابرات الخليجية فى ترسيخ حكمها المترهل ، والذى لا يستمد قوته من الشرعية السياسية ، وإنما يستمد وجوده من القراءة الدينية المغشوشة ، ومن الرشى فى عالم الفكر والمال والإعلام ، ولكن زمن الدجل بدأ يتهاوى من الداخل ، والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
….

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى