أخبار سريعة
الرئيسية / أخبار سريعة / القراءة فى لحظة التهافت على الفيسبوك .

القراءة فى لحظة التهافت على الفيسبوك .

الجسر-شيخ عبد الرحمن بشير-حين يكون الحجر إرهاباً ، والقلم عنفاً10122017--3

 

 

شيخ عبد الرحمن بشير .
الجسر-شيخ عبد الرحمن بشير-القراءة فى لحظة التهافت على الفيسبوك12022018--1القراءة فى لحظة التهافت على الفيسبوك .
إن القراءة تحتاج إلى إستعداد نفسي ، وإعداد عقلي ، وتهيئة الأجواء ، ولهذا نجد اليوم أن القراءة فى إمتحان صعب ، وأصبح النت والتواصل الإجتماعي بديلا عن القراءة الكمية والنوعية .
فى الغرب يقرأ الإنسان حسب الدراسات نصف ساعة فى اليوم ، وفى اليابان يقرأ الفرد أكثر من أربعين دقيقة فى اليوم ، وفى العالم العربي يقرأ الفرد نصف ساعة فى الشهر ، هنا تجد الطامة الكبرى .
فى الغرب توجد مكتبة فى كل حي ، ومكتبة فى كل مدرسة ، وتوجد أكثر من مكتبة فى كل كلية ، ومعهد ، وتوجد مكتبات ضخمة فى مبانى البرلمانات ، ذلك لأن الجميع يحتاج إلى مراجع فى مجال عمله ، وفى غيره ، وفى العالم العربي والأفريقي توجد مائة محل لشرب الشيشة فى كل حي ، وأكثر من مكان للجلوس والترفيه حتى الساعات الاخيرة من الليل ، أما المكتبات فهي آخر ما يفكر فيه الإنسان .
فى منازل الغرب رفوف للكتب فى غرفة النوم ، ذلك لأن الشخص ينام مع الكتب المحببة لديه ما قبل النوم ، وفى الحقائب كتب معدة للقراءة أثناء الذهاب إلى العمل والعودة منه ، وفى الكمبيوتر المحمول مكتبة ضخمة يتم إستدعاؤها حين السفر الطويل فى الطائرات والباخرات والقطارات والباصات ، هناك فى الغرب حب للقراءة ، ولدينا كراهية لها ، وكأن الآية لهم ، وليست لدينا ( إقرأ ) .
هناك فى الغرب من يقرأ وهو يأكل ، ورأيت من يقرأ وهو يمارس الرياضة فى القاعات المخصصة لها ، ونحن لدينا من لا يقرأ ، ولكنه يدعى أنه علم كل شيء من عدم القراءة ، نحن نستخدم السمع فقط لتلقى المعلومات ، وتلقى المعلومة من السمع فقط وسيلة ما قبل التعلم ، ولكن بعد التعلم ، تصبح القراءة أهم وسيلة لتلقى المعلومات ، فالتلقى من السمع أخذ بلا تفكير ، أو رفض بدون تأمل ، أما التلقى من القراءة فهو عيش مع الفكر ، وتعامل معه عبر منهجية معينة .
القراءة نوعان ، لدينا قراءة لأجل القراءة ، كما أن هناك قراءة أخرى تعنى الفهم ، ولكن هذه القراءة هي الاخرى نوعان ، هناك قراءة من خلال أفكار مسبقة ، وهناك قراءة من خلال منهجية معرفية ، من شأنها معرفة الواقع من زوايا جديدة ، وتلقى معلومات جديدة حول معلومات قديمة ، تلك هي القراءة التى تضيف إلى الخزانة المعرفية معلومات جديدة .
لدينا فى بلادنا ( فكر لا يفكر ) ، ذلك لأن الكائن الإنساني لا يستطيع العيش بدون تفكير ، فالتفكير من خصائص الإنسان ، بل من العلماء من يقول : إن الإنسان كائن مفكر ، ولكن هل لديه منهجيةعلمية لممارسة التفكير ؟
لقد أبدع علماء الفقه منهج التفكير ( أصول الفقه ) ، وهو ليس منهجا خاصا بفهم الدين ، بل هو منهج خالص لفهم النصوص ، والواقع ، وفى المسائل العلمية فى المجالات المختلفة ، ولهذا سجل الفقهاء والعلماء سابقا الحضور العلمي فى المجالات المختلفة ، فرأينا الغزالي يناظر الفقهاء والفلاسفة والمفكرين ، ويناقش معهم أصعب المسائل بحرية وشجاعة ، كما رأينا ابن رشد الطبيب والفيلسوف والفقيه ، وهو فى كل بحر من لحار المعرفة مرجع ، والسبب هو وجود رؤية معرفية لديه، ولدينا كذلك ابن تيمية الذى قال عنه الذهبي ، ما رأيت مثله ، ولا هو رأى مثله ، فتلك شهادة علم فى التاريخ .
إن الظاهرة ( فكر لا يفكر ) تصنع أفكارا جاهزة ، ومناخا غير علمي ، وبيئة غير صحية فى النقاش العلمي ، فالخوف من الجديد جعل السياسة فى بلادنا بلا نكهة سياسية ، نعيش فى نصف قرن مع حاكم واحد ، أو حاكمين من رؤية واحدة ، إن لم يكونا من عائلة واحدة ، وكذلك الساحة الثقافية فلا جديد فيها ، التشابه هو الأصل ، ولا تخرج الساحة الدينية من هذه الخريطة الفكرية ، الجميع فى تشابه فى كل شيئ ، ومن هنا يكون التجديد مهمة صعبة ، ولكنها ضرورية ، فقط تحتاج إلى أمرين ، وجود الشجاعة الأدبية ، ووجود رؤية معرفية .
حين قال ديكارت : أنا أفكر إذا أنا موجود ( je pense donc je suis ) ، بدأ يعي ذاته ، وخرج من طور الشك المنهجي والمعرفي ، ومن لا يشك فى مسلماته المعرفية يبقى فى خانة الماضى بلا تغيير ، ونحن اليوم نحتاج إلى هذه المنهجية ( لماذا ؟ وكيف ؟ ) وبدون تلك الأسئلة فلا نهضة تتحق فى أي ميدان .
نرفع الشعار التالي : أنا أقرأ ، إذا أنا موجود ( je lis donc je suis ) ، ذلك لأن القراءة وسيلة هامة للتفكير المنهجي ، والتفكير المنهجي وسيلة للإستقلال الفكري ، والإستقلال الفكري وسيلة للإثراء الفكري ، وحينها فقط نبدأ الوعي الذاتي ، ووجود الوعي الذاتي للأفراد دليل على وجود ثقافة حية ، ووجود الثقافة الحية يدل على حيوية المجتمع .
نحن نريد أن نتغير من السيئ إلى الأحسن ، وهذا مرتبط بكرم الله ، وكرم الله مرتبط بالقراءة المستدامة ( إقرأ باسم ربك الذى خلق . خلق الإنسان من علق . إقرأ وربك الأكرم . الذى علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم . ) ، فلا تجدد فى الحياة بدون علم ، ولا سبيل إلى المعرفة والعلم إلا عن طريق البحث ، ومن أهم طرق البحث ، القراءة المنهجية المنطلقة من الرؤية المعرفية .
….

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى