أخبار سريعة
الرئيسية / أخبار سريعة / من أوراق التاريخ (8)

من أوراق التاريخ (8)

الجسر-على الحفناوى-القتل باسم الدين27082017--1على الحفناوى
من أوراق التاريخ (8)
يقول والدى د. مصطفى الحفناوى فى مذكراته:
ما قرأته في ملفات شركة قناة السويس حينما ضبطت بعد التأميم، وطلب مني دراستها واستخلاص ما يمكن أن يستخلص منها، قرأت ملفا ورد فيه كلام عن حادث مقتل ابنى البكر “زياد” سنة ١٩٥٢، وبرقيات شفوية بعث بها الوكيل الأعلى للشركة من مكتبه بشارع لاظوغلى بقصر الدوبارة إلى رئاسة الشركة شارع أستورج رقم (١) بباريس، يزف لها أخبار عني ليؤكد أني من وطأة هذه المحنة سوف أعجز عن مواصلة الحرب ضدها، ولم أعد الرجل الذي يخشونه، وغير ذلك من عبارات التشفي التي تبرأ منها رسائل السماء، والخلق الإنساني.
وحدث عكس ما كانوا يتوقعونه، ووصلت في المعركة إلى أقصى مداها، وأضحت القضية عندي لونا من العبادة، وعملا أتقرب به إلى الله، وأناجي به روح ولدي البكر “زياد”، الذي كان عونا لي وقت إعداد رسالتي، نعم أصبحت أقوى ما كنت. وآية ذلك أنني وأنا أتقبل العزاء في ولدي البكر، وصباح اليوم الذي وارته فيه التراب، توجهت إلى دار القضاء العالي في ملايس الحداد، وترافعت أكثر من ساعتين في إحدى القضايا لصالح نقابات عمال شركة قناة السويس، وأبيت أن تؤجل المرافعة بسبب محنتي. وكان عمال الشركة يشغلون بعض صفوف المقاعد المعدة في القاعة للجمهور، وقد رأيت وجوها غطتها الدموع المنهمرة حينما كنت أغالب ضعفي، وتنطلق صرخاتي من قلبي ضد شركة استعمار الغرب للشرق. وآية ذلك “دار زياد لمكافحة الاستعمار” التي أسستها بحي جاردن سيتي غداة رحيله، وقصة هذه الدار تتلخص في أن زميلي واسمه الأستاذ “صبحى برسوم”، زارني معزيا في ولدي البكر، وروى لي أن إحدى كريماته أصيبت بلين عظام أحدث تقوسا في العمود الفقري، وأنه يريد أن يسافر إلى أوروبا لمعالجتها، وأن الذي يملكه هو الفيلا الصغيرة رقم ٤ بشارع إبراهيم نجيب بجاردن سيتي، ومساحة المبنى والحديقة أربعمائة وخمسة وعشرين مترا، وقال أنه يعرضها للببع، ويطمع في وساطتى لدى شركة مقاولات تشتريها، فأجبته أني أشتريها بالثمن الذي طلبه وهو نحو سبعة آلاف جنيه، وعاينتها وحررت العقد، وسلمته مقدم الثمن في دقاثق معدودات، وتم التسجيل وسداد باقي الثمن في أقل من شهر واحد.
جرى ذلك وأنا في غير حاجة إلى تلك الفيلا الضئيلة وحديقتها، ولم أكن أعلم ماذا أفعل بها، وإذا بهاتف من أعماق نفسي يقول “لتكن دارا لصحيفة قناة السويس” وسميتها بهذا الاسم “دار زياد لمكافحة الاستعمار”، وطلـبت من أحد المقاولين إخلاء حديقتها ـ وهي أكبر جزء من مساحتها – من الأشجار المتهالكة التي كانت تغطيها، وإقامة بناء من طابقين: الأرضي منه مبنى مطبعة، والثاني للإدارة. وبسرعة خاطفة شيد البناء واشتريت المطبعة وملحقاتها من ماكينات وصناديق حروف، وفوق البناء رفعت لافتة مكتوبة باللغتين العربية والفرنسية، وبأحرف مضيئة وملونة، لافتة عالية كتب فيها بعد كلمة “دار زياد لمكافحة الاستعمار” جريد قناة السويس تطالب بتأميم شركة قناة السويس، وفي الجزء الباقي من الأرض أقيمت زاوية للصلاة، وعين بها مؤذن، ودارت عجلات الطباعة والمحرك الكهربائي مع الآذان وصلاة جمـيع الفرائض، واتخذت لنفسي مكتبا بالفيلا الأصلية التي كانت موجودة من قبل، وخرجت أعداد صحيفة قناة السويس من هذا المبنى المتواضع، وسرعان ما تحولت الدار إلى ندوة يلتقي فيها رواد من الأصدقاء، ومن طلاب الجامعات، وعمال شركة قناة السويس وغيرهم، وهذا كله لم يتعارض قط مع المصلى والفرائض في أوقاتها، ومنها فريضة الجمعة. واستمر الحال كذلك حتى يوم تأميم شركة قناة السويس في ٢٦ من يوليو سنة ١٩٥٦م، ولم تعد الدار غير ذات موضوع، فقررنا إزالتها، وإقامة عمارة سكنية، ليس للاستغلال ولكن لتكون لأولادى، الطابق الأرضي منها مسجد يحمل اسم المرحوم ولدي زياد، وقد افتتح في أول أبريل سنة ١٩٥٧م، وخلفه مكتبة تضم فيما تضمه المحفوظات التي استقيت منها معلوماتي عن قناة السويس، والعديد من المراجع والمؤلفات العربية والأجنبية، وفوق هذا الطابق سبعة طوابع، كل منها شقة واحدة؛ لتكون سكنا لولد من أولادي، أو إحدى بناني، وعددهم سبعة، أي أنه مجمع سكني لأسرة واحدة، وللابن البكر المتوفى نصيب كالباقي، ونصيبه مسجد تقام فيه الصلوات، وأتحمل نفقاته الجارية بالكامل.
ويؤسفني أن أقرر أن إحدى الوزارات فاجأتني بأمر الاستيلاء على الأريع الطوابق الأولى بقيمة إيجارية حددتها عنوة واقتدارا، فحينما انتهت المكاتب التي استعملت الطوابق المذكورة، حل عليها مكتب إحدى الوزارات، وخفض الإيجار بتشريعات متتالية بنسبة خمسين في المائة، وليست هذه شكواي، وإنما أشكو الطريقة التخريبية التي درجت عليها إحدى الوزارات، والتي وصفها خبير هندسي ندبه القضاء المستعجل لمعاينة المبنى، فأثبت أمورا يندى لها الجبين، ومازال التخريب مستمرا، وأولادي وهم المالكون يحتاجون للسكنى بعد أن تزوج من تزوج منهم وأنجبوا، وكنت – وما زلت – أشكو للوزراء الذين تعاقبوا فلا أجد غير آذان صماء، وكان هذا هو المصير المؤلم للمكان الذي انطلقت منه الصرخة المدوية بتأميم شركة قناة السويس، وكان هذا هو الجزاء الرسمي لصاحب هذا النداء، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وقد انطلقت شائعات حاولت النيل من عملي والإساءة لشخصي، وكانت تنقل بألسنة أصدقاء وزملاء كان بعضهم من رجال القضاء العالي، فماذا قالت هذه الشائعات؟.. قال بعضهم إنني أطالب بمنصب كبير في شركة قناة السويس السابقة، وإن الحملات التي كنت أشنها مؤيدة بالوثائق تستهدف الـضغط على الشركة، وأن تفرض علـيها الخلاص من حملاتي بتعييني في إحدى الوظائف التي أسالت لعاب كثيرين من أبناء الأسر الكبيرة، ومن أصحاب التخصصات العالية. وكانت هذه الشائعة سخيفة ومفضوحة؛ إذ لم يكن معقولا أن تمنح الشركة إحدى وظائفها الكبرى لرجل قالت في بعض مراسلاتها الرسمية مع الدولة إنه متخصص في لعنها ليلا ونهارا، وفي الطعن في شخص مؤسسها “فرديناند دي لسبس” وغيره من رجال الشركة الأحياء والأموات، وانطلقت شائعة أخرى قالت إني أستعمل جريدة قناة السويس في ابتزاز أموال الشركة، وكانت هذه الصحيفة أسبوعية، وكانت تصدر بغير انتظام، فقالوا إن الشركة حينما تعطي ما كنت أطلبه كانت الـصحيفة تحجب، ولا تظهر أسابيع متتالية، وحينما تقبض يدها أو تتراخى في العطاء يظهر عدد من هذه الصحيفة وبه فضائح للشركة مثيرة ومؤيدة بالوثائق والصور. ولو أن شركة قناة السويس بقيت حية إلى يومنا هذا، ولم تؤمم، لتركت الدنيا وسمعتى في الميزان، ولكان من أهل وطني من يصدقون تلك الشائعات أو يفرحون بها ويروجون لها، ولكن شاء الله سبحانه أن يوفق عبده المرحوم جمال عبدالناصر لتأميم شركة قناة السويس في ٢٦ يوليو سنة ١٩٥٦م.
وبفضل المباغتة وجدت ملفات الشركة السرية في مكتب الشركة بالقاهرة بحالتها، ولم تمس، وقامت لجان تحت رقابة ضباط ندبتهم المخابرات العامة بفحص هذه الملفات السرية، وترجمة ما فيها في تقارير كانت ترفع أولا بأول إلى الرئيس جمال عبد الناصر، فماذا جاء عني في هذه الملفات؟
إنها ملفات ضخمة تجاوز عددها الخمسة وستين ملفا فيها ترجمة إلى اللغة الفرنسية لكل محاضرة ألقيتها، أو مقال صدر عني سواء نشر في صحيفة قناة السويس أو غيرها. وتبين من الأوراق أن الشركة كانت تتعقبنى فى جميع تحركاتى من ساعة خروجى من بيتى إلى أن أعود إليه، وكانت قد أنشأت فى إدارتها بقصر الدوبارة مكتبا خاصا سُمىَ “مكتب مكافحة الحفناوي” ، وكأني كنت الوباء الذي يخصص جهاز لمكافحته وكان هذا المكتب يترجم كل ما يصدر عني، ويحرر التقارير الدورية والبرقيات العاجلة التي ترفع إلى باريس. ودرست ودرس معي آخرون الأوراق التى صدرت عن ذلك المكتب الذى سموه مكتب مكافحة إنسان بعينه. ولم نجد في أوراقه شيئا من تلك الشائعات أو حربا نفسية تقرر أن تشن ضد شخصي، وإنما ـ على العكس ـ تبين أن الشركة كانت قد استعانت بهيئة من علماء القانون الدولي الأوروبيين، ومعهم أستاذ بجامعة القاهرة، وعهدت إلى هذه اللجنة بدراسة ترجمة دقيقة للمجلدات الي وضعتها باللغة العريية عن قناة السويس وترجمتها إلى اللغة الفرنسية، وطلبت من هذه اللجنة العلمية التي شكلت على أحسن مستوى، أن تدلها على الثغرات التي يمكن أن تنفذ منها للرد على المجلدات، واكتشاف أخطاء أكون قد تورطت فيها لتجسيمها واستخدامها في دعاية تستهدف تجريد مجلداتي من قيمتها العلمية. وبعد دراسة طويلة، رفعت اللجنة من علماء القانون الدولي تقريرها إلى رئاسة الشركة، وقالت فيه إنها تحذر من محاولة الرد علي أو تجريحي، لأنه ليس فيما كتبت ثغرة واحدة تستطيع الشركة أن تنفذ منها، وكانت هذه هي الأمانة العلمية التي تحلت بها لجنة تقاضت أتعابا لا يستهان بها!!
….

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى