أخبار سريعة
الرئيسية / أخبار سريعة / الطغاة المساكين

الطغاة المساكين

الجسر-محمد العلى-إلى المواطنين الشرفاء0412017--2محمد عبد المحسن العلى .
الطغاة المساكين .
لقد أشرت في مقال ( المنهج النبوي في التغيير والإصلاح السياسي ) إلى ما يجب فعله مع جند الطغاة الذين تورطوا بارتكاب الجرائم المتعددة، فالطاغية يعتبر من اعانوه على طغيانه وظلمه السد المنيع الذي يحتمي به، وهو يخوفهم من المؤمنين الذين يريدون تقويم سلوكه او خلعه، حيث يصور لهم بأن مصيرهم سيكون مثل مصيره إذا ما تمكن المؤمنين منه وهو يمارس طغيانه وشذوذه الفكري والنفسي، وهذا الأمر غير صحيح وهو يخالف مراد الله عز وجل، فتحقيق ( الأمن الفكري والروحي أو النفسي والمادي ) هي الغاية من التغيير وهو الأمر الذي لم يحققه الطاغية لأعوانه وللناس .
قال تعالى( إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (175)) آل عمران
فالفكرة هي إعانة أعوان الطغاة على الشياطين التي أفقدتهم الأمن ( الفكري والروحي ) مما جعلهم ينحدرون فكريا وروحيا ويخرجون من حالهم الإنساني الذي تحول الى حال شيطاني، يستسهلون سفك الدماء وهتك الأعراض وإتلاف المال والممتلكات والكذب وتضليل الناس وإيذائهم على رأسهم العلماء والدعاة .
وهناك آيات عديدة تبين لنا أسباب تسلط وسيطرة الشيطان على الإنسان .
قال تعالى ( قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) ) الحجر
قال تعالى ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (100)) النحل . به مشركون، أي بالله مشركون
قال تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83)) مريم .
قال تعالى ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)) الزخرف .
قال تعالى ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82)) الأنعام، ( الْأَمْن ُ) أي الامن ( الفكري والروحي ) …قال تعالى ( …إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)) لقمان .
إن الطاغية لا يتهيأ له ممارسة طغيانه وشذوذه الفكري والنفسي على الناس ما لم يكن له أعوان قد ( فقدوا الأمن الفكري والروحي ) وهو ما يحدث بعد ما يصبح للشياطين سلطان على أعوان الطغاة، ففي حقيقة الأمر إن الطغاة ينفذون سياسة إبليسية .
فبعد ما يُفقد ( الأمن الفكري والروحي ) يسلب من الإنسان ( الشعور ) وهو أدنى مراتب الإدراك، وهذا يفسر عدم شعور أعوان الطغاة بعظم جرائمهم تجاه أنفسهم وتجاه الناس، وما يجعل أعوان الطغاة يستمرون في غيهم وطغيانهم هو وجود المحسوبين على أهل العلم في مقدمة الصفوف، فهذا يلبس الأمر على الناس، فوجود عالم السلطة في مقدمة الصفوف ليس حرزا يدفع الشياطين بل هو أمر يسهل تسلط الشياطين، فالتسلط الظاهر للطاغية ورائه تسلط خفي للشياطين لا يشعر به من فقد ( الأمن الفكري والروحي ) وفقد الشعور والإدراك.
ومن أدرك حقائق الأشياء سيجد بأن أعوان الطغاة في حقيقتهم من ( المساكين ) ولا أعني بأنهم قليلي المال، بل أعني بأنهم قليلي العلم والمعرفة، ومثلهم يستحقون الإحسان والمعونة، وبالتعامل معهم على هذا الأساس ينال المؤمن المحسن الهدى والمحبة والرحمة والتأييد من الله عز وجل .
( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٦٩ العنكبوت﴾ .
( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٩٥ البقرة﴾
( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٦ الأعراف﴾
( نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٦ يوسف﴾
وأعظم الرحمات بعد رضى الله عز وجل هو العلم، فالمحسن يتعرض لنفحات ولرحمات الله عز وجل ليفيض بها على الآخرين، ومنهم المساكين .
والطاغية في حقيقة الأمر يعتبر من المساكين الذين قل علمهم وقلت معرفتهم، ولكنه من المساكين المتمردين على الله عز وجل، وبالرغم من ذلك نجد بأن الله جل قدره بين لنا في محكم كتابه اسلوب التعامل مع هؤلاء الطغاة المساكين، قال تعالى ( اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44)) طه .فإذا كان الطاغية يصم آذانه عن الذكر وأستحب العمى على الهدى والتكبر على خشية الله فعلى أعوانه أن لا يستمروا في المسير ورائه لأنه سيكون مستدرج الى مهلكه والى أسوأ مآل وخاتمة في حال تكبره على الله عز وجل ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)) الاعراف .
ومن متانة وقوة وشدة كيد ومكر الله عز وجل بأن المستدرج ( لا يشعر ) بأنه مستدرج إلى مهلكه، والمعضلة التي سيواجهها المستدرج بأنه ( لا يشعر ) وهنا يأتي دور من أدركوا الحقيقة ليبينوا للمستدرجين سواء الطغاة الظالمين أو أعوانهم، ويقولوا لهم ( يا جماعة ديروا بالكم ) فأنتم تعيشون حالة استدراج من الله العلي القدير لا تشعرون بها، فعليكم الفرار منه إليه، ومن يتق الله منكم يجعل له مخرجا من الاستدراج، ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ) .
والطاغية المسكين وأعوانه المساكين لا يعلمون بأن الله سريع وشديد العقاب قد أخذ منهم حقه وحقوق العباد ( بالوفا والتمام ) ففي الدنيا سلط عليهم الشياطين التي سلبت منهم الوعي والشعور والإدراك وأفسدت عقولهم وأعتمت قلوبهم وطمست بصائرهم، وفي الآخرة تنتظرهم حزمة من العقوبات التي تراكمت بسبب العقوبات الدنيوية التي طالتهم، أي أن العقوبات الدنيوية تجعل عداد العقوبات الأخروية عداد مفعل وسريع لمن فقد التحصين من الشياطين وفقد أمنه الفكري والروحي وراح يرتكب الذنوب والآثام والمعاصي والمحرمات، فحركة المعاقب في الحياة حركة راكمت السيئات بعضها فوق بعض حتى إذا ما جاء يوم الحساب يجد نفسه يحمل أوزار سعيه وحركته في الحياة .
فيا طاغية يا مسكين ( إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) ) الإسراء . ففي الدنيا معاقب وفي الآخرة يضاعف لك العذاب .
….

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى