أخبار سريعة
الرئيسية / أخبار سريعة / حكم الأقلية ملامح ومراحل

حكم الأقلية ملامح ومراحل

الجسر-رفيق حبيب-انكشاف الدولة المستوردة .. فشل العلمنة10062016--1

 

 

الباحث و المحلل السياسي الدكتور رفيق حبيب.
الجسر-رفيق حبيب-انكشاف الدولة المستوردة .. فشل العلمنة10062016--1حكم الأقلية
ملامح ومراحل
التعرف على طبيعة النظام التي تستدعي التغيير، بل وتجعل الثورة حتمية وضرورة، مهم من أجل معرفة الأسباب التي قد تدفع عامة الناس للخروج مطالبين بتغيير النظام.
هل كل نظام استبدادي يجعل التغيير مطلوبا بل وحتميا؟ أم أن هناك مراحل من النظام الاستبدادي تستدعي التغيير وتجعله ليس مطلوبا فقط، بل وحتميا أيضا؟
كل الأنظمة الاستبدادية عاشت عقودا، وتأخر تغييرها في بعض البلدان عن غيرها، ولكن كل الأنظمة الاستبدادية سقطت وتغيرت في نهاية المطاف، ولم يبقى منها إلا القليل.
استمرت الأنظمة الاستبدادية في حكم المنطقة العربية، بل وتمكنت من الوقوف أمام موجة الربيع العربي والانقلاب عليها، واستعادة هيمنتها على السلطة والثروة.
فهل وصل النظام الاستبدادي العربي للمرحلة التي تجعل من تغييره ضرورة، بل وتجعل هذا التغيير حتميا بمنطق وقواعد وقوانين التغيير، أم لم يصل لتلك المرحلة بعد؟
من الواضح أن التغيير وفكرته قد حضرت بالفعل في موجة الربيع العربي، وحضور التغيير يعني أن وقته قد حان، كما يعني أن الظروف التي تستدعي التغيير قد أصبحت حاضرة.
بعد موجة الربيع العربي دخل النظام الاستبدادي الإقليمي في مرحلة جديدة، يحاول فيها أن يقضي على فكرة التغيير، ويؤمن بقاءه في الحكم لعقود قادمة.
حضرت فكرة التغيير وأصبح النظام الاستبدادي العربي أكثر قمعا، واتجهت كل الظروف للتمهيد لمرحلة تغيير شاملة، وأهم تلك الظروف التحولات التي تحدث في طبيعة الحكم في النظام العربي.
العنوان الأهم للحكم الاستبدادي هو حكم الأقلية، مما يعني أن طبيعة الحكم واتجاهاته ومساراته، تتحدد بناء على طبيعته والتي تقوم على احتكار أقلية للسلطة والثروة.
لحكم الأقلية العديد من المظاهر والتوابع، والتي تحدد مصيره ومساره، لأن حكم الأقلية يمر بعدة مراحل متتالية، حتى يصل للمرحلة الأخيرة له، والتي تجعل استمراره صعبا أو ربما مستحيلا.
يقوم حكم الأقلية أساسا على تعريف الفئة التي تحظى بكل فرص السلطة والثروة، أو تحصل على الحصة الأكبر والأهم منها، مما يجعل المجتمع منقسما إلى قسمين.
في حكم الأقلية هناك الطبقة السياسية الحاكمة، وكل بقية المجتمع يقع في الطبقة المحكومة، لذا تكون الفواصل بين الحاكم والمحكوم كبيرة وواضحة ومحددة سلفا.
قد تتحدد الطبقة الحاكمة من خلال طائفة أو عرق أو جماعة دينية، وعندما يكون المجتمع أكثر تجانسا وليس فيه التنوع المذهبي والديني الكبير، تتحدد الطبقة الحاكمة من خلال عوامل أخرى.
لأن حكم الأقلية قائم أساسا على حصر السلطة والثروة في يد فئة محدودة، لذا يشكل لنفسه تعريفات محددة لهذه الفئة، وعندما تختفي الأسس الاجتماعية تظهر التفرقة الوظيفية.
تشكل النظام الجمهوري القائم على السند العسكري على تحويل عدة فئات إلى فئات خاصة ومميزة من حيث المكانة والنفوذ، وتصبح تلك الفئات هي التي تحوز على السلطة والنفوذ وأيضا الثروة.
تتحول فئات بعينها إلى طبقة مميزة ومفصولة عن عامة الناس من خلال تعريفها لنفسها بأنها الأكثر تفوقا على الأخرين، ومن خلال عقيدة التفوق تتشكل الطبقة السياسية الحائزة على النفوذ والثروة.
حكم الأقلية يتأسس في النظم الجمهورية على عدة قواعد حاكمة للطبقة السياسية، منها المكانة والقوة والموقع داخل جهاز الدولة، مما يشكل الطبقة السياسية الحاكمة لجهاز الدولة.
هكذا تشكلت الدولة العميقة من خلال قيادات المؤسسات المركزية والمؤثرة، ثم قيادات مؤسسات الدولة الأخرى، والتي تشكل معا الشبكة المسيطرة على جهاز الدولة.
تتحول الشبكة المسيطرة على جهاز الدولة إلى طبقة سياسية تحصر السلطة والنفوذ والثروة داخلها، متحالفة مع فئات أخرى في المجتمع مثل رجال الأعمال والإعلام وغيرهم.
يتأسس حكم الأقلية على التفرقة النوعية بين الحاكم والمحكوم، مما يجعل طبقة الحكم ترى أنها مميزة عن عامة الناس، كما ترى أنها أكثر تفوقا وأعلى مرتبة عن بقية المجتمع.
في نظام قائم على الفصل بين طبقة الحكم والمحكومين، تصبح طبقة الحكم هي المسيطرة على توجهات الحكم والسياسات العامة بما يخدم مصالحها ورؤيتها.
حكم الأقلية يعبر عن الطبقة الحاكمة ثقافيا وأخلاقيا، فهو قائم على خياراتها وليس على خيارات عامة الناس، الذين يعدوا أقل شأنا، ولا يأخذ بمواقفهم وخياراتهم.
في حكم الأقلية لا مكان للرأي العام، لأن حكم الأقلية يقوم أساسا على توجيه الرأي العام والسيطرة عليه، وليس على الأخذ به والاستجابة له، مما يجعل الرأي العام بلا دور.
لا يقوم حكم الأقلية على الإرادة الشعبية، وإن ظل يحاول التأكيد على شعبيته الجارفة بين الناس، ولكنه ليس مستمدا من الإرادة الشعبية، قدر ما هو مستمد من قوة وإمكانيات طبقة الحكم وأدواتها.
كل حكم استبدادي هو حكم أقلية، سواء كان قائما على حكم العائلة أو القبيلة أو المؤسسة أو الطائفة أو العرق أو غيرها من القواعد التي يستند لها الحكم الاستبدادي.
يتغير الحكم الاستبدادي أو حكم الأقلية عبر مراحله المختلفة عدة تغيرات، منها أنه يصبح أحيانا أقل قمعا وأحيانا أخرى أكثر قمعا، وبالتالي يتغير هامش الحرية الشكلي من مرحلة إلى أخرى.
عندما يصل الحكم الاستبدادي إلى المرحلة التي يتمادى فيها القمع إلى أقصى درجة خاصة بعد ثورة شعبية، يكون حكم الأقلية في مرحلة متأخرة من تاريخه.
مع إلغاء كل هامش شكلي للحرية بل وإلغاء المجال السياسي كله يصل حكم الأقلية إلى مرحلة السيطرة الشاملة، والتي يحاول فيها السيطرة على كل جوانب الحياة.
مع ضيق هوامش الحرية والتعبير في ظل حكم الأقلية، تحدث ظاهرة مهمة ومستمرة عبر مراحل الحكم الاستبدادي، وهي ضيق الطبقة الحاكمة، وضيق الفئات المستفيدة.
يبقى الحكم الاستبدادي فترات، وقد يكون في بضعها قادرا على توزيع منافع ما على فئات عديدة من المجتمع حتى يستمر، ولكنه يصل لمراحل تقل فيها الفئات المستفيدة منه تدريجيا.
تتشارك العديد من الفئات مع الطبقة الحاكمة في النفوذ والسلطة والثروة، ولكن تلك الفئات تضيق مع الوقت، حتى لا يبقى إلا فئة محدودة هي الحائزة على السلطة والثروة.
مصير الحكم الاستبدادي في المنطقة العربية يكشف عن دخول حكم الأقلية إلى المراحل الأخيرة له، لأنه أصبح محصورا في فئات محدودة تحوز على كل المنافع والسلطات.
مع ضيق مساحة الفئات المستفيدة من حكم الأقلية، تصبح الأغلبية الكاسحة من المجتمع كلها متضررة من هذا الحكم والسياسات التي يتبعها والإجراءات التي يتخذها.
مع ضيق الطبقة الحاكمة تصبح الفئات المشاركة في السلطة الفعلية أقل ومحدودة، والفئات التي يسمح لها بممارسة النفوذ أقل، مما يحصر السلطة والثروة في أقلية تقل باستمرار.
عندما يصل الحكم إلى مرحلة حكم الأقلية الصغيرة، والتي تقوم سياساتها على مصالحها وثقافتها وما يعبر عنها وما تختاره، تصبح الأغلبية الكاسحة من المجتمع متضررة.
نموذج الإصلاح الاقتصادي الذي يطبقه الحكم الاستبدادي يؤدي إلى تعضيد اقتصاد الأقلية. لأن حكم الأقلية محصور في رؤية ومصالح ومواقف تلك الأقلية.
إن ما يطبق في ظل حكم الأقلية هو إصلاح اقتصادي يخدم مصالح الأقلية على حساب الأغلبية، فتدفع الأغلبية فاتورة الإصلاح، وتجني الأقلية منافع الإصلاح.
تدفع الأغلبية الثمن من أجل إصلاح اقتصاد ومالية الدولة والطبقات الحاكمة والشركات المتحالفة مع طبقة الحكم، وغيرها من مكونات منظومة اقتصاد الأقلية.
الأغلبية الكاسحة تدفع الثمن لفاتورة إصلاح، يخدم فيما يخدم مصالح الشركات الدولية، خاصة الشركات العاملة في مجال الطاقة والغاز والبترول، وغيرها من الشركات الكبرى.
في المراحل المختلفة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمر بها المنطقة، يتم تهميش الأغلبية سياسيا أولا، ولكن هذا التهميش ليس نهاية المطاف.
عبر مراحل التحول إلى الليبرالية العلمانية الرأسمالية لحكم الأقلية، يتم تهميش الأغلبية ثقافيا وحضاريا حتى تكتمل مسارات العلمنة، بعد أن تم تهميشهم سياسيا.
مع الإصلاح الاقتصادي القائم على اقتصاد الأقلية يتم تهميش الأغلبية اقتصاديا، في جميع الجوانب والمجالات، مما يحرمهم من فرص الحياة التي تتمتع بها الطبقة الحاكمة.
حكم الأقلية يصل لمرحلة تضر الأغلبية لأنه يضيق لحد يؤدي للحرمان المادي والمعنوي لأغلبية المجتمع، ويضيق حتى على فئات تنتمي له، ويخرجها خارجه.
د. رفيق حبيب
يوليو 2018
….

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى